من هندسة الزراعة إلى أمانة الخدمة، الأنبا يوحنا نصف قرن في طريق الرهبنة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يكن طريق الأنبا يوحنا إلى الأسقفية طريقا مستقيما أو سهلا، بل كان رحلة طويلة بدأت من عالم مختلف تماما.. من كلية الزراعة والعمل مهندسا زراعيا، وانتهت به في البرية راهبا، ثم كاهنا، فسكرتيرا للبابا شنودة الثالث، ثم أسقفًا عامًا، ليقضي أكثر من نصف قرن في طريق اختار فيه أن يترك العالم ويتجه إلى طريق الخدمة.

في 10 أغسطس 2026، أسدل الستار على رحلة امتدت لنحو 76 عامًا من العمر، وأكثر من خمسين عامًا في الرهبنة والخدمة، بينها 35 عامًا في الأسقفية.

اقرأ أيضا: فيديو: بطريقة كيدية.. يويفا يستغل عمر أرتان لإحراج فيفا

ولد الأنبا يوحنا في مدينة جرجا بمحافظة سوهاج، يوم 9 ديسمبر 1950، باسم جميل إسكاروس. درس الزراعة وحصل على بكالوريوس الزراعة عام 1972، ثم بدأ حياته العملية مهندسًا زراعيًا بتفتيش زراعة كفر الدوار بمحافظة البحيرة.

لكن حياة الوظيفة لم تكن النهاية التي اختارها لنفسه.

في 24 أبريل 1976، اتخذ جميل إسكاروس قرارًا غيّر مسار حياته بالكامل، وبدأ حياته الرهبانية في دير القديس مقاريوس ببرية شيهيت، حاملًا اسم الراهب «مويسيس المقاري».

ومن حياة المدن والعمل، انتقل إلى البرية؛ حيث الصمت والتجرد والصلاة، وبدأ فصل جديد من حياته، لم يكن يعلم وقتها أنه سيمتد لأكثر من نصف قرن.

وفي عام 1988، انتقل إلى دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، وحمل اسم «الراهب مويسيس الأنبا بيشوي».

وفي 18 يوليو من العام نفسه، بدأت مرحلة جديدة عندما سيم كاهنًا، وبعد أسابيع قليلة جاء اختيار البابا شنودة الثالث له ليكون سكرتيرًا خاصًا به، في 25 سبتمبر 1988.

وهنا دخل الرجل إلى واحدة من أكثر محطات حياته أهمية.

فخدمة البابا ليست مجرد منصب إداري، وإنما مسؤولية تحتاج إلى قدر كبير من الأمانة والدقة والهدوء. ولهذا كانت تلك السنوات شهادة عملية على شخصيته، وهو ما أكده نعي البابا تواضروس الثاني والمجمع المقدس، الذي وصف خدمته بأنها كانت جادة وأمينة، مشيرًا إلى أمانته وتدقيقه في كل ما أوكل إليه.

وفي 3 يونيو 1990، نال القمصية، ثم لم تمر سوى أشهر حتى جاءت محطة أخرى أكثر أهمية.

في 26 مايو 1991، سيم أسقفًا عامًا بيد البابا شنودة الثالث.

كان عمره وقتها نحو 40 عامًا، لكنه كان يحمل خلفه سنوات طويلة من الرهبنة والكهنوت والخدمة، بدأت منذ دخوله البرية في سبعينيات القرن الماضي.

ومنذ الأسقفية، اتسعت دائرة خدمته. وانتُدب للإشراف على كنائس مصر القديمة خلال فترة بدأت عام 1993، قبل أن تمتد خدمته لاحقًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

هناك، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات من مصر، استكمل الأنبا يوحنا رسالته الكنسية.

لكن السنوات الأخيرة من حياته لم تكن خالية من الألم.

منذ نحو عشرين عامًا، تعرض لظروف مرضية ألزمته بالخضوع للعلاج بصورة مستمرة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يتحول المرض إلى نهاية للخدمة.

بالعكس، واصل خدمته هناك بهدوء وأمانة، كما وصفه نعي الكنيسة، حتى بقيت الخدمة جزءًا من حياته رغم متاعب الجسد.

اقرأ أيضا: واشنطن تعلن عقد جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وتل أبيب مطلع سبتمبر في روما

وهنا ربما تكمن واحدة من أهم ملامح سيرته؛ فالطريق الذي بدأ بترك العالم لم ينتهِ عندما جاء المرض، والغربة لم توقف الخدمة، والتعب لم يلغِ المسؤولية.

نصف قرن تقريبًا من الرهبنة لم يكن مجرد سنوات تُحسب في العمر، وإنما مراحل متتالية من التجرد والخدمة والمسؤولية.

من جميل إسكاروس، المهندس الزراعي، إلى الراهب مويسيس، ثم الكاهن، ثم سكرتير البابا شنودة الثالث، ثم الأسقف العام.. كانت كل محطة تفتح الباب لما بعدها.

وفي يوم رحيله، وصف البابا تواضروس الثاني والمجمع المقدس الأنبا يوحنا بأنه كرس نفسه لله، وترك العالم متجهًا إلى البرية، طالبًا أن «يربح المسيح ويوجد فيه»، ثم حين دُعي إلى الأسقفية خضع وخدم بإخلاص.

ولم يكن النعي مجرد تعداد لمناصب الرجل، بقدر ما كان تلخيصًا لفلسفة حياة كاملة: الرهبنة أولًا، ثم الخدمة، ثم الأمانة في كل مسؤولية، وصولًا إلى النهاية.

رحل الأنبا يوحنا في 10 أغسطس 2026، عن عمر قارب 76 عامًا، بعد أكثر من نصف قرن من الرهبنة والخدمة، منها 35 عامًا أسقفًا عامًا.

وتقرر أن تقام صلاة تجنيزه يوم الاثنين 17 أغسطس بكنيسة السيدة العذراء في ولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث يبدأ القداس الإلهي في الثامنة صباحًا، وتُقام صلاة التجنيز من العاشرة والنصف صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا.

ويبقى في نهاية الرحلة مشهد رجل بدأ حياته مهندسًا في الزراعة، لكنه اختار أن يزرع حياته في أرض أخرى؛ ترك الوظيفة واتجه إلى البرية، ثم خرج منها إلى خدمة الناس والكنيسة، وحمل مسؤوليات أكبر مع كل مرحلة، حتى أثقل المرض جسده، لكنه لم يطفئ في داخله معنى الخدمة.

وفي وداعه، استحضرت الكنيسة كلمات الإنجيل: «نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ».

وربما كانت هذه الكلمات هي أقرب ما يلخص رحلة الأنبا يوحنا كلها..

اقرأ أيضا: العاهل الأردني: ضرورة التوصل إلى تهدئة شاملة في المنطقة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً