علا عبد اللطيف
عمان- من داخل المطبخ، وبإمكانات بدأت محدودة، انطلقت شيراز مرعي في تجربة سرعان ما تحولت إلى مشروع إنتاجي يحمل بصمة خاصة، يجمع بين المذاق المنزلي والأطباق التراثية، ويقدم لزبائنه تشكيلة من المأكولات الشركسية والكردية والعربية، مع الحرص على استخدام مكونات طبيعية والابتعاد عن الإضافات التي قد تؤثر على النكهة الأصلية.
وتقول مرعي إن فكرة المشروع بدأت من حبها للطبخ ورغبتها في تحويل مهارتها إلى عمل إنتاجي، قبل أن تتوسع التجربة تدريجيا مع زيادة الطلب وثقة الزبائن بما تقدمه. وكانت البداية تتركز بصورة أكبر على أبناء المجتمع الشركسي، ممن يبحثون عن الأطباق التي تحمل مذاقا قريبا من وصفات البيوت وذاكرة العائلة، إلا أن المشروع مع مرور الوقت استطاع الوصول إلى زبائن من خلفيات مختلفة.
وترى مرعي أن الحفاظ على المذاق الأصيل كان من أهم العوامل التي ساعدت على استمرار مشروعها، لذلك تولي أهمية كبيرة لاختيار المواد الأولية وطريقة إعداد الطعام، مؤكدة أن جودة المكونات وطريقة التحضير تنعكسان بصورة مباشرة على النتيجة النهائية.
أطباق تحمل ذاكرة المكان
يقدم مطبخ مرعي مجموعة من الأطباق الشركسية المعروفة، من بينها الشركسية بالدجاج والجوز، والشبس بَسْتَة، والهَطْقَة والفوتا، إلى جانب وصفات أخرى ترتبط بالمطبخ الشركسي وتقاليده.
ولا تتوقف قائمة المطبخ عند الأطباق الشركسية، إذ تقدم مرعي أيضاً أطباقاً كردية وعربية، في محاولة لتلبية أذواق شريحة أوسع من الزبائن، والاستفادة من التنوع الذي تتميز به المائدة العربية والكردية والشركسية.
وتحرص مرعي على أن تحافظ هذه الأطباق، رغم تنوعها، على روح الطبخ المنزلي، من خلال الاهتمام بالمكونات والتفاصيل وطريقة التقديم، بحيث لا يتحول العمل الإنتاجي إلى مجرد إنتاج كميات كبيرة من الطعام، وإنما يبقى مرتبطاً بالمذاق الذي يبحث عنه الزبون.
وتقول إن تنوع الأطباق ساعدها على الوصول إلى فئات جديدة من الزبائن، كما أتاح لها تقديم جزء من ثقافات غذائية مختلفة من خلال الطعام، الذي يمثل بالنسبة لها أكثر من مجرد وجبة، بل يحمل حكايات وذكريات مرتبطة بالأسرة والمجتمع والتراث.
من المطبخ إلى باب المنزل
ومع توسع قاعدة الزبائن، أصبحت خدمة التوصيل جزءاً مهماً من عمل المشروع، خصوصا أن طبيعة المطابخ الإنتاجية تعتمد بدرجة كبيرة على سهولة وصول المنتج إلى المستهلك. وتشير مرعي إلى أن توفير التوصيل ساعد على استقبال طلبات من مناطق مختلفة، وأصبح وسيلة للوصول إلى زبائن جدد، إضافة إلى الحفاظ على علاقة مستمرة مع الزبائن الذين اعتادوا طلب الطعام إلى منازلهم.
ولا ينتهي اهتمامها بالطلب عند الانتهاء من الطبخ، إذ تحرص على تجهيز الوجبات وتغليفها بطريقة مناسبة، والحفاظ على شكل الطعام وجودته إلى حين وصوله إلى الزبون.
وتؤكد أن التفاصيل الصغيرة تترك أثرا كبيرا في تجربة الزبون، بدءاً من جودة الطعام، مروراً بطريقة التغليف، وانتهاءً بسرعة التوصيل والتعامل مع الطلبات والملاحظات.
التسويق يبدأ من جودة المنتج
وتعتبر مرعي أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من الأدوات المهمة التي تساعد المشاريع الصغيرة على الوصول إلى الجمهور، خصوصاً في ظل قدرة أصحاب المشاريع على عرض منتجاتهم والتواصل المباشر مع الزبائن.
وتستخدم منصات التواصل للتعريف بالأطباق المتوافرة، وإظهار طريقة تقديمها، والتواصل مع الزبائن واستقبال الطلبات والملاحظات، إلى جانب الاستفادة من تجارب الزبائن في التعريف بالمشروع.
وترى أن أفضل وسيلة للتسويق هي أن يحظى الزبون بتجربة جيدة تدفعه إلى الحديث عن المشروع وترشيحه للآخرين، موضحة أن الإعلان قد يجذب الزبون للمرة الأولى، لكن جودة الطعام هي التي تحدد ما إذا كان سيعود مرة أخرى.
وتقول إن بناء ثقة الزبون يحتاج إلى وقت واستمرارية، لذلك تحرص على المحافظة على المستوى نفسه من الجودة، وعدم تقديم منتج يختلف عن المستوى الذي اعتاد عليه الزبائن.
المرأة قادرة على تحويل الموهبة إلى مشروع
وترى مرعي أن المرأة تمتلك الكثير من المهارات التي يمكن أن تتحول إلى مشاريع إنتاجية ناجحة، خاصة في مجالات الطبخ والحرف والصناعات المنزلية، لكنها تحتاج إلى الثقة بقدرتها وعدم الخوف من البداية.
وتؤكد أن المشروع لا يشترط أن يبدأ بإمكانات كبيرة، فالكثير من قصص النجاح بدأت من المنزل وبإمكانات بسيطة، قبل أن تتوسع تدريجياً مع اكتساب الخبرة وزيادة ثقة الزبائن.
وتدعو النساء الراغبات في خوض تجربة العمل الإنتاجي إلى عدم انتظار الظروف المثالية، وإنما البدء بما يمتلكن من إمكانات ومهارات، ثم تطوير المشروع مع الوقت، مع الاهتمام بجودة المنتج والتسويق والتعامل الجيد مع الزبائن.
وبالنسبة لها، فإن العمل الإنتاجي يمنح المرأة فرصة لتكون منتجة وقادرة على الاعتماد على مهاراتها، كما يفتح أمامها مجالاً لتحويل ما تجيده إلى مصدر دخل ومشروع يمكن أن يكبر مستقبلاً.
الطعام.. هوية وتراث وفرصة اقتصادية
وتحاول مرعي من خلال مشروعها أن تجمع بين الجانب الاقتصادي والبعد التراثي للطعام، فالأطباق التي تقدمها تحمل في مكوناتها وطرق إعدادها جزءاً من ذاكرة المجتمعات التي تنتمي إليها.
وتشكل الأطباق الشركسية، إلى جانب المأكولات الكردية والعربية، مساحة للتنوع والتعريف بمذاقات مختلفة، بينما يمنح الاعتماد على المكونات الطبيعية وطريقة التحضير القريبة من الطبخ المنزلي المشروع خصوصيته.
وبين إعداد الطعام واستقبال الطلبات والتسويق والتوصيل، تواصل شيراز مرعي تطوير مشروعها بخطوات تدريجية، واضعة جودة المنتج ورضا الزبون في مقدمة أولوياتها.
اقرأ أيضا: فليك يشيد بالواعد إسبارت ويطمئن جمهور برشلونة حول جافي

وتقدم تجربتها نموذجا لمشروع نسائي بدأ من مهارة وحب للطبخ، ثم تحول إلى عمل إنتاجي يحمل هوية واضحة، ويجمع بين المحافظة على الوصفات التراثية والانفتاح على أطباق عربية وكردية، مؤكدة أن الفكرة البسيطة يمكن أن تتحول إلى قصة نجاح عندما ترافقها الجودة والإصرار والقدرة على التطور.
