iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
في دير الأحمر، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل برنّ الأجراس ونفحات البخور التي تجتاح الأزقة العتيقة مع كل آب.
اقرأ أيضا: الظهور الاول لـ أحمد عبد القادر، بيراميدز يواصل تدريباته استعدادا للدوري(صور)
هناك، ليس العيد مجرد تاريخ على حائط، بل نَفَسٌ تتنشقه البلدة بأكملها، فتتحول الحارات الضيقة إلى ما يشبه نهراً سائلاً من النور.
آلاف الشموع تتهادى بين الأيدي، وورود بيضاء ترتفع لتكسر العتمة، بينما يتقدم المسيرة المطران حنا رحمة والمونسنيور بول كيروز إلى جانب الكهنة والراهبات، ووراءهم أهالي البلدة وقاصدوها من كل صوب، تجمعهم خيطُ محبةٍ واحد لسيدة المكان.

مشهدٌ يفرض الخشوع من دون استئذان، شيوخٌ يتكئون على عصيهم بتجاعيد تختزن تاريخ البلدة، وأطفال يركضون بعفوية قابضين على أيقونات صغيرة وكأنهم يحملون أغلى ما في الكون.
بين ترنيمة ترتفع وعين تدمع، لم تكن تلك المسيرة مجرد مسيرٍ في الشوارع، بل كانت عودةً صريحة إلى الجذور، استعادة لطقوس الأجداد، وتجديد لعهدٍ قديم بين دير الأحمر والسماء لا يكسره زمن.
هذه الحكاية لم تبدأ اليوم، وفق إبن البلدة رولان مسلم ترجع الجذور إلى عام 1974، حين أطلق الأستاذ ديب مسلم والأب ملحم شيت النواة الأولى لهذه المسيرة نحو كنيسة سيدة البرج. وفي العام التالي، 1975، ومع بداية سنوات الحرب الصعبة، حُفرت في ذاكرة البلدة محطة لا تُنسى، يوم حكى الأهالي كيف “طلعت العذرا وزايحت حالها” عن المسار المعتاد، لتعبر فوق مدرسة السيدة عند مثلث الأرز، وتترك في النفوس انطباعاً بالرعاية والحماية لا يمحوه الزمن.
رحل ديب مسلم، لكن المشعل لم ينطفئ؛ وظلت المسيرة تتوارثها الأجيال، وتكبر مع كل سنة.

وجاء مجسم هذا العام ليحمل أبعاداً رمزيّة عميقة، مستوحاة من نداء القديس فرنسيس الأسيزي: “اذهب ورُمّم كنيستي”، تجسدت الفكرة في أن العذراء هي الكنيسة الجامعة التي تحتضن الجميع، وجاءت في الخلفية صورة الطوباوي البطريرك إلياس الحويك، بطريرك لبنان الكبير، لتكتمل اللوحة بين عمق الإيمان والارتباط الوثيق بذاكرة هذه الأرض.
ولم تقتصر الصلوات على مسار المسيرة، بل توّجت الإيمان بقداسين إلهيين ترأسهما المطران رحمة بمعاونة المونسنيور كيروز ولفيف من الكهنة، الأول في باحة كنيسة سيدة البرج، والثاني في باحة كنيسة سيدة بشوات في حضور النائب أنطوان حبشي، ممثل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والعميد جورج أبي رزق، ممثل قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ومحافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، ، رئيس بلدية دير الأحمر واتحاد بلديات دير الأحمر هنري الفخري، رئيس بلدية بشوات حميد كيروز ورؤساء اتحادات وبلديات المنطقة.

وفي عظتيه، أطلق المطران رحمة رسائل صمود ورجاء، إذ شدّد على أن عيد انتقال السيدة العذراء هو “عيد الثبات والرجاء”، داعياً إلى التمسك بالإيمان والأرض والعائلة وعدم الاستسلام أمام الصعوبات.
اقرأ أيضا: غدا، فتح 86 مكتب بريد استثنائيًا لصرف معاشات «تكافل وكرامة» بالبحيرة
وأكد أن هذا الحضور الحاشد للمؤمنين يشكّل شهادة ناصعة على أن الإيمان ما زال حيّاً في القلوب، وأن رسالة مريم تدعونا دائماً إلى الثبات بعد الألم، والتمسك بالرجاء بعد كل محنة.
أما في سيدة بشوات، فقد فاضت الكلمات ببعدٍ وطني وإنساني جامع، إذ شدد على أن مريم هي “أمّ جميع اللبنانيين”، داعياً الجميع إلى الانتقال من الخوف والانقسام إلى أفق اللقاء والأخوّة، ومؤكداً بثقة أن لبنان، مهما أثقلته الأزمات وتعب، “ليس مشروع موت، بل مشروع حياة”، وهو أحوج ما يكون اليوم إلى شفاء القلوب، ونعمة الغفران، والرجاء الحي.

ومع انقضاء الصلوات وانفضاض الموكب، طُويت صفحات تلك الليلة، لكن الأثر بقي محفوراً في النفوس: رسالة أمل حية، وتذكير دائم بأنه بين دير الأحمر وسيدة بشوات، يظل الإيمان والجمال الطريق الأسرع لجمع القلوب وإبقاء الذاكرة حيّة.



اقرأ أيضا: ترمب يتوعد بـ ضربة اقتصادية قوية لإيران بصرف النظر عن توقيت الانتخابات الأمريكية
