iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
أثار فوز عبد الرحمن السيد (عبدول) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي بولاية ميشيغان اهتماماً واسعاً داخل مصر والعالم العربي، ليس لأنه أميركي من أصول مصرية وحسب، وإنما لأنه أعاد طرح سؤال يتكرر مع كل صعود سياسي من أصول عربية أو إسلامية في الولايات المتحدة: هل يمثل وجوده في الكونغرس أو دوائر صنع القرار مكسباً تلقائياً لمصر أو للعرب؟
اقرأ أيضا: صدق أو لا تصدق، القبض على صحفي تركي شهير بسبب تقرير عن نجم بايرن ميونخ (فيديو)
الإجابة، من منظور استراتيجي، هي: ليس بالضرورة. فالنظام السياسي الأميركي لا تحكمه الأصول العرقية أو الدينية، وإنما تحدده اعتبارات المصلحة القومية، والانتماء الحزبي، وضغوط الدوائر الانتخابية، وتأثير جماعات الضغط ومراكز الفكر. ومن ثم، فإن جذور أي سياسي لا تكفي للتنبؤ بمواقفه أو افتراض أنه سيكون أكثر قرباً من قضايا وطنه الأصلي.
أثبتت تجارب العقود الماضية أن مسؤولين أميركيين من أصول عربية أو إسلامية تبنوا مواقف متباينة، بعضها لم يختلف عن توجهات السياسة الأميركية التقليدية. فالهوية قد تؤثر في الخلفية الثقافية، لكنها لا تعيد صوغ أولويات الدولة الأميركية، التي تبقى محكومة بمصالحها الاستراتيجية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب حالة عبدول أهميتها؛ فالرجل يمتلك سيرة أكاديمية ومهنية متميزة، ويعبّر عن صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، وهو تطور يعكس تغيرات بنيوية في المجتمع الأميركي أكثر مما يعكس تحولًا في العلاقات المصرية – الأميركية.
لكن العمل السياسي لا يقاس بالكفاءة المهنية وحدها، وإنما يشمل أيضاً مراجعة المواقف الفكرية السابقة. فقد دعا عبد الرحمن السيد خلال حوادث مصر عامي 2011 و2012 إلى عدم المبالغة في التخوف من وصول جماعة “الإخوان المسلمين” إلى السلطة. كما وقّع على بيان أيد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس السابق محمد مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وهي مواقف منشورة تثير سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل ما زال يراها صحيحة بعد ما انتهت إليه تجربة حكم الجماعة، أم أن تطورات العقد الأخير دفعته إلى مراجعتها؟ فالديموقراطيات لا تقيس السياسيين ببرامجهم الحالية فقط، وإنما أيضاً بقدرتهم على مراجعة مواقفهم في ضوء الخبرة والوقائع، مع ملاحظة ذلك الترويج له المبالغ فيه من الإعلام المحسوب على تنظيم “الإخوان”.
اقرأ أيضا: جوليان ينفجر
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل التحولات التي شهدتها النظرة الغربية حيال الحركات الإسلامية السياسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعادت حكومات ومراكز أبحاث تقييم عدد من التنظيمات والشبكات المرتبطة بها، استناداً إلى خبرات الشرق الأوسط وأوروبا، ويؤكد ذلك أن النقاش لم يعد محصوراً بالشرق الأوسط، بل أصبح جزءاً من الجدل السياسي الغربي نفسه. فبعض تصريحات عبد الرحمن السيد، التي قارن فيها بين فرص الحياة في الولايات المتحدة وما كان يمكن أن يواجهه لو بقيت أسرته في مصر، أثارت جدلاً داخل الأوساط المصرية. فالامتنان للدولة التي وفرت فرص النجاح أمر مفهوم، لكن ذلك لا يقتضي اختزال وطن الآباء بصورة نمطية، أو الإيحاء أن النجاح لم يكن ممكناً إلا بالهجرة، بينما قدمت مصر أجيالاً من العلماء والأطباء والمهندسين الذين يعمل كثيرون منهم في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة.
كما أن إعادة تداول هذه التصريحات من جانب بعض المنصات المعارضة للدولة المصرية، ولاسيما منها التي تنفق عليها جماعة “الإخوان”، تكشف أن معركة الصورة الذهنية أصبحت جزءاً من المنافسة السياسية العابرة للحدود، حيث تتحول تصريحات الشخصيات العامة إلى أدوات في صراع السرديات، سواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار المصري والعربي ليس عدد السياسيين من أصول عربية داخل الكونغرس، وإنما طبيعة البيئة التي تُصنع فيها السياسات الأميركية، فالتأثير الحقيقي لا يتحقق عبر التعويل على نجاح أفراد، بل من خلال بناء حضور مؤسسي داخل مراكز الفكر والجامعات والإعلام وجماعات الضغط، بما يضمن وجود رواية مصرية وعربية قادرة على المنافسة والتأثير.
إن وصول أميركي من أصل مصري إلى الكونغرس قد يكون تطوراً مهماً في المشهد السياسي الأميركي، لكنه لا يمثل في ذاته مكسباً استراتيجياً لمصر أو للعرب، فالمكاسب لا تصنعها الأصول، وإنما تصنعها المواقف والسياسات، أما الرهان الحقيقي، فيبقى على امتلاك أدوات التأثير داخل البيئة التي تُنتج القرار الأميركي، لأن النفوذ في العلاقات الدولية لا يُقاس بجذور الأشخاص، بل بقدرة الدول على بناء حضور مستدام في دوائر صناعة القرار والرأي العام.
وفي النهاية، قد يكون صعود عبد الرحمن السيد إلى الكونغرس، إذا تحقق، تطوراً يستحق المتابعة، لكنه لا يبرر الإفراط في التفاؤل ولا الانطلاق إلى استنتاجات مسبقة. فالسياسة لا تُقاس بالأصول العائلية، ولا تُبنى على الأمنيات، وإنما تُختبر بالمواقف عندما تواجه القضايا الحقيقية واختبارات المصالح. وبطبيعة الحال، يتمنى المصريون أن يكون أي مسؤول أميركي من أصول مصرية متفهماً لقضايا وطن آبائه والعرب، لا متبنياً مواقف تضر بمصالحهم. لكن التجربة تدعو إلى الحذر؛ فقد شهدت مرحلة ما بعد 30 ثورة حزيران/يونيو مواقف لبعض الأميركيين من أصول مصرية داخل دوائر صنع القرار اتسمت بالتحريض على الدولة المصرية، وهو ما يؤكد أن معيار الحكم يبقى دائماً هو المواقف، وليس الأصول.
اقرأ أيضا: لحظة السيطرة على حريق إحدى البازارات بمنطقة سقارة في فيصل (فيديو)
