مصرف لبنان: الإصلاح يجب ألا يتحول إلى إعادة توزيع للسلطة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

سمارة القزّي

اقرأ أيضا: وداعا فنان الأرض والدم، كيف أرخ سليمان منصور تاريخ فلسطين من النكبة إلى حرب غزة (صور)

النظام السياسي اللبناني هو حصيلة قرن من التسويات التي هدفت إلى تمكين مجتمع متنوع من العيش ضمن دولة واحدة. فمنذ الاستقلال والميثاق الوطني وصولاً إلى اتفاق الطائف، شكّل توزيع المواقع الأساسية في الدولة عنصراً مركزياً في الحفاظ على توازن دقيق بين المكونات اللبنانية.

كرّس العرف السياسي رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس الوزراء للسنّة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة. أما المادة 95 من الدستور، فأرست مبدأ أساسياً آخر، إذ نصت، في المرحلة الانتقالية نحو إلغاء الطائفية السياسية، على توزيع وظائف الفئة الأولى وما يعادلها مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

ولا يخصص الدستور وظيفة بعينها من وظائف الفئة الأولى لطائفة محددة. فالتوزيع التفصيلي لهذه المواقع بين الطوائف هو عرف سياسي وليس حقاً دستورياً. لكن ذلك لا يعني أن هذه الأعراف تفتقر إلى الأهمية السياسية.

وقد أحصت دراسات في مراحل مختلفة نحو 155 إلى 157 وظيفة من الفئة الأولى وما يعادلها في الدولة والمؤسسات العامة. واستقر العرف على إسناد قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان وعدد من المواقع القضائية والمالية العليا إلى الموارنة، والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي ومواقع إدارية أساسية إلى السنّة، والمديرية العامة للأمن العام ورئاسة ديوان المحاسبة ومواقع عليا أخرى إلى الشيعة، ورئاسة أركان الجيش ومواقع أخرى إلى الدروز. كما يتمثل الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن وسائر المكونات في شبكة التوزيع هذه.

يمكن انتقاد هذه الترتيبات باعتبارها جزءاً من النظام الطائفي اللبناني. لكن لا يمكن تفكيكها انتقائياً فيما تبقى بقية عناصر النظام على حالها.

مصرف لبنان وتوازن السلطة

يعكس مصرف لبنان نفسه هذه المعادلة. فالحاكم ماروني عرفاً، فيما يتوزع نواب الحاكم الأربعة بين الشيعة والدروز والسنّة والأرمن الأرثوذكس.

لذلك، فإن توزيع الصلاحيات داخل المصرف المركزي يتجاوز كونه مسألة تقنية متصلة بالحوكمة.

فالمادة 26 من قانون النقد والتسليف تمنح الحاكم صلاحيات تنفيذية وإدارية واسعة، وتجعله الممثل الشرعي لمصرف لبنان والمسؤول عن تطبيق القانون وقرارات المجلس المركزي. وفي المقابل، يتمتع المجلس المركزي بصلاحيات قانونية مهمة، من بينها تحديد السياسة النقدية والتسليفية.

وبذلك، أنشأ القانون هندسة مؤسساتية مقصودة: رأس تنفيذي واضح هو الحاكم، وإلى جانبه مجلس مركزي يتمتع بصلاحيات محددة.

ومنذ إنشاء مصرف لبنان، تعاقب على ممارسة الحاكمية فيليب تقلا، إلياس سركيس، جوزف أوغورليان بالإنابة، ميشال الخوري، إدمون نعيم، رياض سلامة، وسيم منصوري بالإنابة، ثم كريم سعيد.

وعمل المصرف المركزي لعقود في ظل الإطار القانوني نفسه تقريباً، وفي ظروف سياسية واقتصادية شديدة الاختلاف. أما رياض سلامة فكان الاستثناء الذي أظهر ما يمكن أن يحدث عندما تتجاوز ممارسة الحاكمية الحدود القانونية في ظل غطاء سياسي.

لم يراكم سلامة سلطته الاستثنائية لأن قانون النقد والتسليف فرض ذلك، بل إن السلطة السياسية سمحت، على مدى عقود، بتضخم دوره وبأن يتحمل مصرف لبنان مسؤوليات كان يفترض أن تبقى على عاتق الحكومة والسلطة السياسية.

إذاً، المشكلة لم تكن في وجود الصلاحيات القانونية للحاكم، بل في إساءة استخدامها، وفي ضعف الرقابة وغياب المحاسبة في الوقت المناسب.

الإصلاح أم إعادة توزيع السلطة؟

هذا التمييز أساسي في النقاش الدائر حول إعادة هيكلة مصرف لبنان.

لا خلاف على ضرورة تعزيز الشفافية والتدقيق والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر وقواعد منع تضارب المصالح والمحاسبة. وقد دعا صندوق النقد الدولي إلى إصلاحات تعالج الإفراط في تركّز القرار وتعزز القرار الجماعي والرقابة، كما أظهر التدقيق الجنائي الذي أجرته Alvarez & Marsal اختلالات جدية في الحوكمة والرقابة الداخلية والمحاسبة.

هذه النتائج تستوجب الإصلاح. لكن السؤال هو: أي إصلاح؟

إذا خالف المدير العام للأمن العام، وهو موقع استقر العرف على إسناده إلى الطائفة الشيعية، القانون أو أساء استعمال صلاحياته، فهل يكون الحل بتجريد الأمن العام من صلاحياته ونقلها إلى جهات أخرى؟ أم بمحاسبة المدير العام المخالف وإلزام خلفه العمل ضمن القانون؟

والسؤال نفسه يطرح بالنسبة إلى رئاسة الحكومة. فإذا تجاوز رئيس حكومة سنّي حدود صلاحياته الدستورية، فهل نعدّل الدستور ونقتطع صلاحيات من رئاسة الحكومة ونوزعها على الوزراء؟ أم نحاسب رئيس الحكومة وفق الآليات الدستورية؟

فلماذا يكون المبدأ مختلفاً بالنسبة إلى مصرف لبنان؟

إذا تجاوز الحاكم صلاحياته، فالمعالجة تكون بالمحاسبة، لا بمعاقبة المنصب.

وهذه المسألة أكثر أهمية لأن نقل صلاحيات تنفيذية أساسية من الحاكم إلى المجلس المركزي ليس أمراً محايداً سياسياً في لبنان. فالحاكم ماروني عرفاً، فيما يمثل نواب الحاكم مكونات أخرى.

إذا تغير توزيع الصلاحيات، يتغير توزيع النفوذ.

قد يرى الخبير الدولي في نقل الصلاحيات من الحاكم إلى مجلس جماعي إصلاحاً تقنياً في الحوكمة. أما في لبنان، فقد يؤدي التعديل نفسه إلى تغيير توازن سياسي متجذر في توزيع المواقع العليا في الدولة.

ويحق لصندوق النقد الدولي وAlvarez & Marsal تشخيص الإفراط في تركّز السلطة وضعف الرقابة وغياب المحاسبة الفعالة. لكن اختيار الهندسة المؤسساتية للدولة اللبنانية يبقى مسؤولية المؤسسات الدستورية والسياسية اللبنانية، التي يفترض أن تأخذ في الاعتبار الحوكمة السليمة كما تأخذ في الاعتبار تداعيات التغيير على التوازن القائم.

وهناك فارق جوهري بين منع تركّز سلطة غير خاضعة للمحاسبة وبين تفريغ موقع الحاكم من صلاحياته التنفيذية التي يمنحه إياها القانون.

لا تعاقبوا المنصب

الدرس الذي يجب استخلاصه من مرحلة رياض سلامة ليس أن وجود حاكم قوي يشكل خطراً بحد ذاته، بل إن وجود حاكم قوي من دون رقابة ومحاسبة فعليتين هو الخطر.

القانون الجيد يمنح المسؤول الصلاحيات الضرورية للقيام بمهامه، ويحدد حدودها، ثم يحاسبه إذا تجاوزها.

اقرأ أيضا: روابط مشبوهة ورسائل طارئة.. كيف تحمي حسابك وأموالك من احتيال واتساب؟

ولو طبق لبنان المنطق المعاكس على جميع مؤسسات الدولة، لكان عليه إعادة كتابة صلاحيات كل مؤسسة كلما خالف أحد المسؤولين فيها القانون.

إذا خالف المدير العام للأمن العام القانون، فليحاسب المدير العام، لا أن يعاد توزيع صلاحيات الأمن العام.

وإذا تجاوز رئيس الحكومة صلاحياته الدستورية، فليحاسب رئيس الحكومة، لا أن يعاد توزيع صلاحيات رئاسة الحكومة.

وبالمنطق نفسه، إذا تجاوز حاكم مصرف لبنان صلاحياته القانونية، فليحاسب الحاكم، ولا يعاد تصميم الحاكمية لأن أحد شاغليها أساء استعمال صلاحياته.

إصلاح من دون انتقائية

تجعل المادة 95 من الدستور إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً. وينبغي للبنان في نهاية المطاف أن ينتقل إلى مؤسسات تقوم على المواطنة والكفاءة.

لكن هذا الانتقال لا يمكن أن يحصل بتفكيك عنصر واحد من التوازن القائم والإبقاء على سائر العناصر.

وإلى حين إلغاء الطائفية السياسية، وبعد حصر السلاح بيد الدولة، لا يمكن للبنان أن يخل بهذه التوازنات بصورة انتقائية تحت عنوان الإصلاح المالي.

فإذا أراد لبنان تجاوز التوزيع الطائفي، فليكن ذلك بصورة شاملة: من خلال دولة سيدة تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتطبق الدستور، وتعزز القضاء، وتنتقل نحو دولة المواطنة ضمن مسار وطني متفق عليه.

وإلى ذلك الحين، يجب ألا يقاس التوازن بأسماء المواقع فقط، بل بالصلاحيات الفعلية التي تتمتع بها.

لا شك في أن مصرف لبنان يحتاج إلى الإصلاح. عززوا التدقيق. افرضوا الشفافية. فعّلوا المجلس المركزي ضمن الصلاحيات التي يمنحه إياها القانون. أنشئوا آليات حقيقية للمحاسبة. امنعوا تضارب المصالح. افرضوا الإفصاح. وحاسبوا المخالفين.

لكن لا تجعلوا من تجربة رياض سلامة الاستثنائية، التي استمرت سنوات في ظل غطاء سياسي، مبرراً لإضعاف موقع الحاكم بصورة دائمة.

أبقوا للحاكم الصلاحيات التي أعطاه إياها قانون النقد والتسليف، وألزموا الحاكم حدود القانون نفسه.

فلبنان لا يحتاج إلى حاكم فوق القانون، كما لا يحتاج إلى حاكم منزوع الصلاحيات. إنه يحتاج إلى حاكم قوي بالقانون، مقيّد بالقانون، ومسؤول أمام القانون.

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية

                                             

اقرأ أيضا: بعد هدوء استمر عقودا طويلة.. جبهة الجولان تسخن مجددا والعناصر المعادية تؤرق الاحتلال

‫0 تعليق

اترك تعليقاً