عودة فرنسية إلى لبنان من البوابة السعودية؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لا تقف دلالات البيان السعودي– الفرنسي الذي صدر عقب اللقاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عند أهمية بنوده، والدعم المشترك الذي عبر عنه الجانبان، في استعادة لالتزامات تتصل بدعم الدولة والجيش وإعادة إحياء الالتزام الدولي بالقرار 1701، وغيرها من المندرجات التي تتسم بطابع الاهمية للبنان واستقراره واستعادة سيادة سلطتة الشرعية، وليس عند الالتزام بـ”تسوية نهائية للصراع فيه” فحسب،  وإنما تجلت تلك الدلالات أيضاً في المسعى الفرنسي الدائم لتكريس دور في الملف اللبناني، رغم محاولات الاستبعاد والتهميش الجارية أميركياً وإسرائيلياً لأي دور فرنسي محتمل في هذا السياق. 

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – الحوثيون يلزمون منتسبي الأجهزة العسكرية والأمنية والطلاب بإثبات الحضور بالصور في فعالية المولد بميدان السبعين

وكان واضحاً أن باريس لا تفوت فرصة في محاولاتها، من خلال التقاطع المستجد مع المملكة العربية السعودية، تثبيت موقعها في لبنان في وجه النفوذ الأميركي المتعاظم، بحيث باتت الولايات المتحدة اللاعب الأكثر تأثيراً في المسارين الأمني والسياسي اللبناني.

ورغم إدراكها العميق أن عودة النفوذ الفرنسي التقليدي الذي عرفه لبنان تاريخياً لم يعد وارداً في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، مع عودة الانخراط الاميركي الواسع لسياسة ترامب في هذا الجزء من العالم المهمل أميركياً منذ مدة غير قصيرة. فواشنطن باتت تمسك في شكل شبه كامل بالملف اللبناني من خلال رعايتها المباشرة للتفاوض اللبناني- الإسرائيلي، كما للمسار الأمني، من خلال مجموعة التنسيق الامنية، فيما بدأت المملكة باستعادة قدرتها المتنامية في التأثير السياسي والاقتصادي، وخصوصاً في البيئة العربية والدولية المحيطة بلبنان.

ولذلك تبدو باريس في مسعى لإعادة تعريف دورها ليس في إطار التنافس مع واشنطن، من خلال استمالة القيادة السعودية لدول الخليج، بل في إطار تثبيت هذا الدور كشريك أساسي في أي ترتيبات مقبلة تتعلق بلبنان، في رسالة واضحة أنها ليست في وارد التراجع أو التنازل عن هذا الدور، أو موطىء القدم في المنطقة. وكان لافتاً أن البيان لم يغفل هذا الدور للبنان في ظل التحول الإقليمي الحاصل. إذ إن الملف اللبناني من ضمن رؤية مشتركة للاستقرار في الشرق الأوسط تقوم على سيادة الدول، واحترام القانون الدولي، والحلول السياسية والديبلوماسية. وهذا يعني أن باريس تحاول تقديم نفسها كطرف قادر على الجمع بين البعد الديبلوماسي الأوروبي والبعد العربي الذي تمثله المملكة.

ويبرز في هذا السياق أيضاً الأهم أن فرنسا تمكنت من انتزاع دعمٍ متجدد من السعودية لرئيس الجمهورية جوزف عون ولرئيس الحكومة نواف سلام، عبر التأكيد في البيان المشترك على دعمهما الجيش اللبناني والقوى الأمنية لتمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية كاملة. وهذه نقطة شديدة الدلالة، لأنها تعكس توافقاً على أن عنوان المرحلة المقبلة ليس إدارة الأزمة اللبنانية، بل إعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على فرض سلطتها.

اقرأ أيضا: أزمة “الهروب المتكرر”، لاعبان جديدان يضافان إلى سجل مصارعي مصر الفارين من البطولات الدولية

لا تكفي هذه القراءة للقمة الفرنسية- السعودية كي توحي استرجاع باريس دورها التقليدي في لبنان. فهي لم تعد صاحبة القرار الوحيد في لبنان، ولم يعد في إمكانها احتكار الرعاية لهذا البلد كما اعتادت ان تفعل انطلاقاّ من العلاقات التاريخية التي جمعتها به مدى عقود. كما أنها لا تملك وحدها أدوات فرض التسويات، وقد فشلت في الأعوام الماضية في الاضطلاع بأي دور وسيط، لا ترفضه واشنطن وتل ابيب فحسب، وإنما أيضاً بعض من في الداخل اللبناني الذي انتابته الخيبة إزاء المواقف الفرنسية الرسمية من “حزب الله”، والتي عجزت كل محاولات الاحتواء اللاحقة من محوها. وكل ما يمكن أن تسعى اليه باريس اليوم وتعمل عليه ديبلوماسيتها، يكمن في حجز مقعد لها من ضمن أي تسوية مقبلة تجري صياغتها اليوم، وخصوصاً في ملفات دعم الجيش، والمؤسسات، وتطبيق القرار 1701، وإعادة الإعمار، والعلاقات مع السعودية والدول العربية.

ومن هنا تبرز أهمية التفاهم مع الرياض. فالسعودية لا تبدو مستعدة للعودة إلى لبنان من بوابة النفوذ التقليدي، بل من بوابة الدولة والإصلاح والاستقرار. وفرنسا تحتاج إلى هذا الغطاء العربي لكي يبقى حضورها اللبناني مؤثراً وفاعلاً، لا مجرد حضور تاريخي وثقافي كما هي الحال اليوم. 
وفي المقابل، يشكل لبنان ساحة اختبار مهمة وجدية للشراكة السعودية–الفرنسية الجديدة، ما يضفي دوراً عربياً على نادي اللاعبين الكبار في لبنان والمنطقة، من خلال كسر الشراكة المصرية- الاميركية- الاسرائيلية في إدارة الملف اللبناني وفصله عن المسار الايراني، وبناء إطار أو معادلة جديدة، تتوزع فيها الأدوار بين دور أميركي يتولى رعاية الأمن والتفاوض، وسعودي يوفر الغطاء العربي والدعم السياسي والاقتصادي، وفرنسي يؤمن الحاضنة الديبلوماسية الأوروبية.

وإذا كان البيان الفرنسي- السعودي قد تجاوز المصطلحات والمواقف التقليدية بدعوته إلى حل نهائي للازمة اللبنانية، فإن نجاح المعادلة التي أرساها يتوقف على مدى قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالقرار. فالبيان يضع سقفاً سياسياً واضحاً لدولة أقوى، ورفضاً لأي سلاح خارج الدولة، وتنفيذاً للقرار 1701 الموضوع على الرف منذ بدء التفاوض المباشر وانهاء مهمة “اليونيفيل” في الجنوب. وهنا، يتكشف الهدف الفرنسي وهامش الضغط المتاح أمام الاليزيه، لأي دور تطمح اليه في لبنان بعدما فقدت دور الوصاية والنفوذ المباشر ولم يعد أمامها إلا السعي إلى الحفاظ على دورها من موقع الشريك الأوروبي في إعادة بناء الدولة اللبنانية. وقد منحها البيان السعودي المشترك معها فرصة جديدة للعودة إلى قلب المعادلة، ولكن من بوابة التفاهم ليس أكثر!

اقرأ أيضا: دراسة: لقاح الحزام الناري يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً