iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
نادرًا ما يجتمع الجهد الثقافي القائم على التوثيق والتجميع والأرشفة مع الجهد الثقافي النقدي القائم إمّا على تفكيك التجربة، أو تأويلها، أو استنباط الرؤية إلى العالم الخاصّة بمبدعها. والحقّ أنّ مفردة “أنطولوجيا”، التي تعني معجميًّا “علم الوجود”، والذي يُصنَّف فرعًا من فروع الفلسفة، انشغل به العديد من فلاسفة الغرب، وأبرزهم الفرنسيان رينيه ديكارت وبيير غاسندي. ومن ثمّ تطوّرت هذه الفلسفة نحو الإدراك الحسّي والنظريّتَين: “التعقّلية” عند جان بياجيه، والنظريّة المعاكسة لها، “الغشطالتية”، التي تمظهرت في ألمانيا في أوائل القرن العشرين.
اقرأ أيضا: ميشال سليمان: لا حماية للبنان إلاّ بالجيش… والدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم
نسهب في كلّ ما ذكرناه للإشارة إلى أنّ مفردة “أنطولوجيا” باتت تُستخدم في العالم العربي على أنّها “تجميع” لجهود ثقافيّة مرتبطة بأسماء لامعة في الأدب أو الثقافة في بلد معيّن، لكنّ الدكتور عبد الحسين شعبان، المفكّر العراقي، كسر هذه الصورة النمطيّة السائدة في كتابه “هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقيّة” (دار النهار، 2026)، حيث حوّل العمل السائد والقائم على تجميع المواد وأرشفتها إلى عمل نقديّ أقرب إلى تفكيك التجارب، لا سيّما في الشعر والرواية العراقيَّين.
أنطولوجيا الثقافة العراقيّة بوصفها فسيفساء معرفيّة
يتألّف الكتاب من مقدّمة وأربعين فصلًا، يحمل كلّ فصل منها اسم مثقّف عراقي، وتتراوح مساراتهم بين الفنّ والشعر والرواية والفكر. وما يمكن استنتاجه من خلال القراءة البانوراميّة للفهرس والمقدّمة أنّ شعبان آثر أن يجمع بين الأنا وثقافتها وتأثّرها المعرفي وتطبيعها مع مناخها الاجتماعي والثقافي، وبين الـ”هم” القائمة على جهود المثقفين وتجاربهم، ورؤية شعبان نفسه إلى عوالمهم.
لم يتأخّر عبد الحسين شعبان في مصارحة القارئ حول غاية مشروعه الثقافيّ الجديد؛ فالغاية ارتكزت على إرساء جوّ من التنوّع الثقافي والإبداعي في العراق، وهي الصورة المضادّة للصورة السياسيّة التي تهزّها الصراعات الطائفيّة والسياسيّة في البلاد: “وجاء الوقت المناسب لتقديم إضاءات في أنطولوجيا الثقافة العراقية، المبدعة والمختلفة في اختصاصاتها واتجاهاتها، من خلال أربعين شخصية، متنوعة الإنتاجات والاجتهادات، تمثل فسيفساءً لجميع حقول المعرفة والفكر والثقافة والفن والأدب.

وقد شملت أعمال مفكرين، وقادة رأي، وشعراء، وأدباء، وفنانين، وكتّابًا، ونقادًا، من الرجال والنساء، ترك كلٌّ منهم بصمةً واضحةً على المشهد الثقافي العام، وهو ما وعدتُ به القرّاء، عبر الإطلال على حقبٍ زمنيةٍ مختلفةٍ من تاريخ الدولة العراقية الحديثة” (ص. 14).
التجربة الفرديّة بوصفها مدخلًا إلى الثقافة
في سياق آخر، لم تكن مقاربات شعبان للشخصيّات وما تمثّله في الوسط الثقافي العراقي متشابهة، لكنّ الكاتب اعتمد التفكيك منهجًا للحديث عن التجارب المذكورة. وإذا أردنا أن نختار من بين هذه التجارب الأربعين ثلاث تجارب، فيمكن أن نختار بدر شاكر السيّاب، ومحمّد مهدي الجواهري، وكوكب حمزة، لنلاحظ الاختلاف والتفرّد في مقاربة كلّ تجربة والحرص على خصوصيّتها.
الاغتراب عند السيّاب… من التجربة الشعريّة إلى الرؤية الوجوديّة
استفاد عبد الحسين شعبان من تجربة الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، التي تُعدّ تجربة حداثيّة، قليلة كمًّا وضخمة نوعًا. والحقّ أنّ شعبان ابتعد عن المقاربة التقنيّة النقديّة الكلاسيكيّة القائمة على التحليل البنيوي لنصّ السيّاب، مفضّلًا الاتجاه في مقاربته نحو تحديد رؤية السيّاب إلى الاغتراب، وهو جزء من نسيج نقدي حديث آثر فيه لوسيان غولدمان وتلامذته الردّ المباشر على البنيويّة التي نسفت وجود المؤلّف واكتفت بالنصّ بوصفه قطعة لغويّة قابلة للتفكيك والتأويل.
لعلّ نقطة القوّة لدى الكاتب هي الاعتماد على المخزون الثقافي المقارن، لا سيّما حين ذكر تجارب الاغتراب في شعر نازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البيّاتي، وهو ما كان بمثابة مقدّمة لإظهار فرادة السيّاب، وللبدء بطريقة علميّة متحرّرة من الأنساق البحثيّة التي قد تجعل القارئ غير النخبوي يشعر بالرتابة والملل. فكانت مقاربة السيّاب ترتكز على الرؤية إلى الاغتراب في قصيدتَيه الشهيرتَين “غريب على الخليج” و”أنشودة المطر”.
لم يعكس شعبان مفهوم الاغتراب الروحي بصيغة نمطيّة أو معياريّة، بل بطريقة تجمع البنى الدلاليّة: “هكذا يبدو العراق قريبًا وبعيدًا، حين يعيد الشاعر تكرارها ستَّ مرات في قصيدة «غريب على الخليج»، وهو ما يتكرر أيضًا عبر لازمة «مطر» في قصيدة «أنشودة المطر». ولعلَّ مثل هذا التكرار يكون له جرسٌ موسيقيٌّ خاص، برنينٍ وصدىً ساحرَين، يتركان أثرًا جماليًا عميقًا في المتلقي” (ص. 52). فضلًا عن إظهار الرؤية الأصيلة للاغتراب من منظور يساريّ ماركسي: “إذا كان ثَمّة اغترابٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ تحدّث عنه ماركس، وهو يبحث في مضمون العدالة، فلا بدّ هنا من التوقّف عند أشكالٍ أخرى من الاغتراب، متفاعلةٍ ومتداخلةٍ مع هذه الأنواع، ومكمّلةٍ ومتمّمةٍ لها. ونعني بها الاغتراب العاطفي، والنفسي، والروحي، وكلّ ما له علاقة بالجوانب المتنوّعة من الحياة اليومية.
ولا يمكن التغلّب على هذا الاغتراب، بحسب ماركس، إلا باستعادة الطبيعة الإنسانية للعمل، وذلك بتغيير طبيعة النظام وعلاقات إنتاجه، وتطويع الطبيعة لصالح الإنسان؛ إذ يعدّ أن الاغتراب هو التمايز بين الوجود والجوهر.
لكنّ ذلك ليس كافيًا للتعبير عن اغتراب الإنسان بشكل عام، والشاعر بشكل خاص، من دون احتساب اغترابه الروحي، الذي تتجسّد فيه مختلف أنواع الاغتراب، متجاوزًا بذلك مفهوم ماركس” (ص. 55-56).
الجواهري… حين تتحوّل السيرة إلى قراءة نقديّة
في حديثه عن الشاعر محمّد مهدي الجواهري، انتقل عبد الحسين شعبان من البنيويّة التكوينيّة إلى المنهج الأكثر كلاسيكيّة وخارجيّة في النقد، وهو المنهج النفسي، الذي تظهر ملامحه في عنوان المقالة الرئيسي: “صورة الجواهري: الشاعر والشعر”. والحديث عن الصورة دائمًا ما يأخذنا إلى الملامح النفسيّة التي يتلطّى خلفها المبدع، وتعني، بشكل أو بآخر وفي أحيان كثيرة، عودة المبدع أو الناقد إلى الذات. فلا يمكن أن ننسى عنوان أحد كتب المؤرّخ والمترجم اللبناني فوّاز طرابلسي، “صورة الفتى بالأحمر” (رياض الريس للكتب والنشر، 1997)، الذي يُعدّ بجزأيه سيرة ذاتيّة لناشط ومؤرّخ ومثقّف لبناني يساريّ.
اقرأ أيضا: تحذير لريال مدريد من السقوط في الفخ
في سياق حديثه عن الجواهري، لجأ شعبان إلى الحديث عنه بصفته قارئًا عاصره، وهو نوع من التواضع العلمي تجاه قامة شعريّة بحجم الجواهري، وتطرّق إلى الأنا وانعكاساتها تجاه الشاعر الذي عكس أهمّ وأواخر الصور التراثيّة الشعريّة العراقيّة: “كان اسم الجواهري منذ طفولتي يملأ الأجواء، لدرجة أنّه كان يسكن مخيّلتي وأنا ذاهبٌ إلى مدرستي، السلام الابتدائية، في محلّة العمارة بالنجف الأشرف، مارًّا في الذهاب والإياب أحيانًا أمام جامع الجواهري الشهير، الذي مضى على إنشائه أكثر من مئتي عام” (ص. 432).
والتحرّر من المحاكاة النقديّة أو الأسلوبيّة، تحديدًا في تناول تجربة الجواهري، لا يُعدّ هروبًا من الكاتب بقدر ما هو محاولة للتجديد في التعاطي مع المواد الثقافيّة التي باتت، بحثيًّا، بحكم المستهلكة.
كوكب حمزة… التوثيق بوصفه قراءة في الذاكرة الفنيّة
في مقاربته لتجربة الملحّن العراقي كوكب حمزة (1944-2024)، فاجأ شعبان مجدّدًا قارئه بالابتعاد عن المقاربة الموسيقيّة أو الفنيّة لتجربة حمزة، مركّزًا على البيوغرافيا، أي توثيق حياة ملحّن ساهم في تجديد النسق الموسيقي العراقي: “أصبح ألحان كوكب تمثل الذوق الجديد للأغنية العراقية، ويُعدّ طالب القره غولي ومحمّد جواد أمّوري من أكثر الذين استقرّوا في الذاكرة الفنيّة العراقية.
فمن لا يتذكّر حسين نعمة وأغنية «يا نجمة» للشاعر كاظم الركابي، وسعدون جابر وأغنيتَي «يا طيور الطايرة» و«محطات» للشاعر زهير الدجيلي؟ وكلّ ذلك كان من إبداع كوكب حمزة، الذي عاش منسجمًا مع نفسه ومخلصًا لفنّه.
وكان آخر لقاء لي معه في منزل الشاعرة والإعلاميّة نوال الحوار في بيروت، صاحبة صالون 15، وبحضور نخبة من المثقفين العرب، وذلك بعد لقائنا في السليمانيّة في مهرجان مظفّر النواب، حيث كان يتألّق” (ص. 346-347).
وهذا يعني أنّ الكاتب فضّل أن يترك القراءة النقديّة الموسيقيّة لمن هم أكثر تخصّصًا في هذا المضمار، وأن يعمل على توثيق تجربة ملحّن له بصمته الفنيّة والشعبيّة في الوسط الثقافي العراقي.
أربعون نموذجًا لا يمكن حصرها في مقالة واحدة، لكنّ الدكتور عبد الحسين شعبان فضّل في كتابه الانسلاخ عن العمل الموسوعيّ الجاف، وتحويل كلّ فصل، أو كلّ حكاية مبدع، إلى مساحة معرفيّة لها لونها الخاص، ليثبت شعبان مجدّدًا ما يعرفه كثيرون عنه من ثقافة وازنة واطّلاع عميق، ومن جهة ثانية، لإجراء حوار نقدي مباشر مع قارئ هذه الفصول وقارئ هذه الشخصيّات التي طبّق عليها عبد الحسين شعبان المعنى الصحيح والدقيق لمفردة “أنطولوجيا”: علم الوجود.
اقرأ أيضا: إصابة عامل بطلق نارى فى مصنع طوب بإحدى قرى الدقهلية
