سوسن الشناق.. تجربة فنية تمتد من الحفر والطباعة للتصميم الرقمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


أحمد الشوابكة

عمان- في تجربة الفنانة التشكيلية الأردنية سوسن الشناق، يحتل فن الجرافيك مساحة واسعة، ليس بوصفه تقنية تعتمد على الحفر والطباعة فحسب، وإنما باعتباره مجالا مفتوحا للبحث والتجريب واكتشاف العلاقة بين الفكرة والخامة. ومن خلال أعمالها، تتداخل الخطوط والمساحات والملامس، وتتعدد التقنيات، لتشكل لغة بصرية تتطور مع تجربتها وتراكم خبرتها الفنية والتعليمية.
وتقول الشناق لـ “الغد” إن تجربتها في فن الجرافيك ارتبطت منذ بداياتها بالحفر والطباعة، لما تمنحانه للفنان من إمكانات واسعة في التعامل مع الخامة والسطح والملمس، موضحة أن اختلاف المواد وطرق التنفيذ يفتح أمامها دائما احتمالات جديدة، ويمنح العمل الفني فرصة لأن يتطور أثناء إنجازه.
وتستند تجربتها إلى خلفية أكاديمية متخصصة، فقد حصلت عام 2004 على درجة البكالوريوس في الفنون البصرية، تخصص فن الجرافيك والحفر والطباعة، من جامعة اليرموك، ثم واصلت دراستها وحصلت عام 2014 على درجة الماجستير في الفنون البصرية من الجامعة نفسها. وفي عام 2018 خاضت تدريبا متخصصا في التصميم الجرافيكي وبرامج شركة أدوبي، مضيفة إلى خبرتها الفنية جانبا تقنيا ورقميا يواكب التحولات التي شهدتها الفنون البصرية.
وللشناق حضور فني من خلال عدد من المعارض الشخصية والجماعية، إذ شكلت محطات مهمة في مسيرتها، وأتاحت لها عرض أعمالها أمام الجمهور والاحتكاك بتجارب فنية مختلفة. ولم تكن هذه المشاركات مجرد مناسبات لعرض الأعمال، بل شكلت أيضا فرصة لمراجعة التجربة وتطويرها، واختبار ما وصلت إليه من أفكار وتقنيات أمام المتلقي.
الحفر في أعمال الشناق ليس مجرد أثر لأداة على سطح، وإنما يمثل نقطة التقاء بين اليد والخامة والفكرة.
فالخط المحفور يساهم في بناء الشكل والحركة، والفراغات المحيطة به تمنح التكوين توازنه، بينما يضيف اختلاف الملمس عمقا إلى سطح العمل. ومن خلال هذه العناصر تتشكل الصورة تدريجيا، وتصبح التقنية جزءا من التعبير.
أما الطباعة، فتمنح العمل احتمالات متعددة، خصوصا مع اختلاف الكثافة والملمس وتوزيع الحبر. وتتعامل الشناق مع هذه النتائج باعتبارها جزءا من العملية الفنية، فكل طبعة يمكن أن تحمل أثرا خاصا، حتى وإن انطلقت من السطح نفسه. وهذا الاختلاف يمنح الجرافيك لديها مساحة للتجريب، ويبعده عن فكرة التكرار الجامد. وتبرز الخامة في تجربتها بوصفها عنصرا أساسيا في بناء العمل. فهي لا تستخدم المادة لتنفيذ الفكرة فقط، وإنما تحاول اكتشاف ما يمكن أن تضيفه الخامة إلى الفكرة نفسها. اختلاف السطح، وطبيعة الأثر، ودرجة ظهور الخط، وكثافة الحبر، كلها عوامل تدخل في صياغة العمل وتؤثر في شكله النهائي.
كما تميل الشناق إلى المزج بين أكثر من تقنية جرافيكية في العمل الواحد، وهو ما يمنح أعمالها تنوعا في الملامس والطبقات والعلاقات البصرية.
فالتقنيات لا تأتي منفصلة، وإنما تتداخل لتكوين صورة أكثر غنى، وتتيح للمتلقي قراءة العمل من خلال مستويات متعددة.
ولا تتوقف تجربتها عند الحفر والطباعة، فقد قدمت أيضا أعمالا في الرسم بألوان الأكريليك، وهو جانب يوسع تجربتها في التعامل مع اللون والمساحة والطبقات. ولا يبدو انتقالها إلى الرسم ابتعادا عن الجرافيك، بل امتدادا له، إذ تستمر في استخدام بعض العناصر التي شكلت خبرتها في الجرافيك، مثل الخط والملمس والتكوين.
وتمتلك الشناق كذلك خبرة في الرسم بالرصاص والزيت والتخطيط، إلى جانب النحت والكتابة والتصميم الرقمي، واستخدام برامج أدوبي، خصوصا Photoshop وIllustrator. ويمنحها هذا التنوع قدرة على الانتقال بين الوسائط المختلفة، والاستفادة من خصائص كل وسيط في تطوير رؤيتها الفنية.
وتقول الشناق إن التجريب بالنسبة إليها لا يرتبط بالخامة وحدها، بل يشمل الطريقة التي يمكن أن تتحول بها التقنية إلى وسيلة للتعبير. ولهذا فإنها لا ترى ضرورة للوقوف عند أسلوب واحد، بل تترك المجال مفتوحا أمام التجربة، لأن كل تقنية يمكن أن تقود إلى نتيجة مختلفة.
وتتجاوز خبرتها المجال الفني الشخصي إلى التعليم والتدريب، حيث قامت بتصوير وتقديم دورات متخصصة في تقنيات الحفر والطباعة عبر منصة “شغفي” التابعة لوزارة الثقافة، كما شاركت في تصوير وتقديم دروس التربية الفنية للصفوف من الرابع إلى العاشر عبر منصة “درسك” التابعة لوزارة التربية والتعليم الأردنية، لتكون هذه المواد مرجعا للمعلمين في المملكة في مجال الفنون الجميلة.
وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من شخصية الشناق الفنية، فهي لا تكتفي بممارسة الفن، وإنما تعمل على نقل المعرفة الفنية إلى الآخرين. ومن هنا يأتي ارتباط تجربتها بالتعليم، الذي بدأ منذ تدريس دورات الرسم في المملكة العربية السعودية بين عامي 2007 و2008، ثم واصلت العمل في المجال الأكاديمي والتدريبي في عدد من المؤسسات التعليمية.
فقد عملت مشرفة مختبر ومساعدة تدريس في جامعة جدارا خلال الفترة 2010-2011، ثم عملت مساعدة تدريس في جامعة البترا عام 2011، قبل أن تواصل مسارها في التعليم الفني والتدريب. ومنذ عام 2023 تعمل معلمة للفنون البصرية في وزارة التربية والتعليم، لتواصل بذلك حضورها في المجال الفني والتربوي.
وتضيف تجربتها في السفر والإقامة في الولايات المتحدة الأميركية بعدا آخر إلى مسيرتها، بما أتاح لها الاطلاع على تجارب فنية وثقافية مختلفة، والانفتاح على أساليب وطرائق جديدة في التفكير والعمل الفني.
وتتميز تجربتها كذلك بقدرتها على الجمع بين الفن والتعليم والتقنيات الحديثة، وهي مساحة باتت أكثر أهمية في الفنون المعاصرة، حيث لم يعد الفنان محصورا في وسيط واحد، بل أصبح قادرا على الانتقال بين الرسم والجرافيك والتصميم الرقمي والتعليم الإلكتروني.
ولعل ما يميز مسيرة الشناق هو الإصرار على التعلم المستمر، وعدم الاكتفاء بما تحقق. فالفنان الذي يمارس الحفر والطباعة، ويجرب الرسم والنحت، ويتعامل مع التصميم الرقمي، ويعمل في التعليم والتدريب، يظل أمام مساحة واسعة من الاحتمالات.

 

اقرأ أيضا: أكسيوس: العقوبات تدفع إيران للبحث عن طرق تجارة جديدة

Image4_820262521520775560569.jpg

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً