زيارة الملك للصين.. تنويع الخيارات لتطويق آثار الأزمات الإقليمية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


يوسف محمد ضمرة

عمّان- جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية بين 18 و24 آب (أغسطس) 2026 في إطار سلسلة زيارات متصلة قام بها جلالته إلى دول ومناطق مختلفة خلال الأشهر السابقة، من بينها بريطانيا ودول آسيوية، ضمن جهد أردني متواصل لتنويع العلاقات الاقتصادية وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات والقطاع الخاص الأردني.
وهذه الزيارة هي التاسعة التي يقوم بها الملك إلى الصين منذ توليه سلطاته الدستورية، بحسب ما أكدته وزارة الخارجية الصينية رسميا، وهو رقم يعكس عمق العلاقة الثنائية واستمراريتها منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، التي تقترب من الاحتفال بذكراها الخمسين.
 ويشير هذا التكرار في الزيارات إلى أن العلاقة الأردنية الصينية لم تعد مبنية على لقاءات بروتوكولية متباعدة، بل على مسار متابعة مستمر يواكب المستجدات الاقتصادية والدولية.
ولم تكن الزيارة مجرد تقارب دبلوماسي تقليدي، بل ركزت بوضوح على الانتقال بالعلاقة من مستوى التبادل التجاري المحدود إلى مستوى الشراكة الاستثمارية والتكنولوجية المتقدمة، بما ينسجم مع خطة التحديث الاقتصادي الأردنية وحاجة المملكة إلى مصادر تمويل واستثمار ونقل معرفة متنوعة.
أبرز اللقاءات
والاتفاقيات الموقعة
التقى جلالة الملك خلال الزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس مجلس الدولة (رئيس الوزراء) لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، إضافة إلى لقاءات موسعة مع قيادات اقتصادية صينية وممثلي كبرى الشركات في قطاعات متنوعة.
 وأشرف جلالته والرئيس الصيني على توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، أكد جلالته أنها تجسد العزم المشترك على الاستمرار في بناء علاقات متينة بين البلدين.
وعلى هامش الزيارة، كانت أبرز الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة: بروتوكول بين وزارة الزراعة الأردنية والإدارة العامة للجمارك الصينية بشأن متطلبات الحجر الصحي والصحة البيطرية، ومذكرة تفاهم بين مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية ومجموعة الصين للإعلام، ومذكرة تفاهم بين وكالة الأنباء الأردنية (بترا) ومجموعة الصين للإعلام، ومذكرة تفاهم بين المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا في الأردن ووزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية في مجال العلوم والتكنولوجيا، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال الموارد المعدنية بين البلدين، وكذلك خطاب نوايا بين الأردن والصين في مجال الشؤون الاجتماعية، ومذكرة تفاهم بين الملكية الأردنية والخطوط الجوية الصينية (Air China) لتعزيز الربط الجوي، وبحث فرص المشاركة بالرمز (Codeshare) وخطوط جديدة بين عمّان وبكين في مجال النقل الجوي.
ومن شأن الاتفاقية تعزيز الربط الجوي بين الأردن والصين واستقطاب السياح الصينيين إلى المملكة، التي تزخر بمعالم تاريخية وتراثية وطبيعية جمة.
 فيما يُعد السوق الصيني من أكبر أسواق توفير السياح، لكن حتى الآن لم تتم الاستفادة من هذا السوق، ما يُتوقع أن تسهم الزيارة الملكية في تعزيز توافد السياح الصينيين إلى المملكة، خاصة أنها تتمتع باستقرار وأمن قلَّ نظيرهما في المنطقة. لكننا نحتاج إلى جهود من قطاع السياحة الرسمي والأهلي للارتقاء إلى طموح جلالة الملك وجهوده في فتح هذا السوق أمام الأردن.

 

اقرأ أيضا: مطرقة سوكوت تعبر عن عنف المستوطنين

Image1_8202626221144138649308.jpg

وتصل أعداد السياح الصينيين إلى ما يقارب 165 مليون سائح، وبالتالي فالهدف الواقعي ليس محاولة منافسة تايلاند في أعداد السياح الصينيين، وإنما جعل الأردن وجهة سياحية متخصصة ذات إنفاق مرتفع. فإذا جاء 100 ألف صيني، وأقام كل منهم مثلا 5–7 ليالٍ، وأنفق في الفنادق والمطاعم والنقل والمواقع والتسوق، فإن الأثر الاقتصادي سيكون أكبر بكثير من مجرد رقم “عدد الزوار”.
والأردن يمتلك قصة تسويقية قوية جدا للصينيين (البترا، والبحر الميت، ووادي رم، وجرش، ومادبا، والمغطس، والطعام العربي، والصحراء، والأمن والاستقرار).
 كما أن وزارة السياحة نفسها ترى أن عدد الزوار الصينيين الحالي غير مرضٍ، وتسعى إلى تسهيل استقطابهم.
وتؤكد أرقام وزارة السياحة والآثار وجود نمو في أعداد السياح الصينيين القادمين إلى المملكة، إذ ارتفع عددهم خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 بنسبة 15.9 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ووفقا لإحصاءات الوزارة، بلغ عدد السياح الصينيين الذين قدموا إلى الأردن خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي 11,931 سائحا، مقابل 10,293 سائحا خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وشملت محطات الزيارة الملكية كلا من بكين وشنغهاي وشنجن، حيث تضمنت نقاشات مثمرة لبحث تعميق التعاون الاقتصادي في قطاعات الزراعة، والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، والسياحة، والتعليم، والثقافة، إضافة إلى الطاقة الخضراء والابتكار العلمي والطيران المدني.
وتكمن الأهداف في جذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا، والانتقال بالعلاقات الأردنية الصينية من مجرد استيراد البضائع إلى شراكة استثمارية تنموية، وفتح المجال أمام الشركات الصينية الكبرى للاستثمار في قطاعات البنية التحتية، والطاقة المتجددة (خصوصا تصنيع الألواح الشمسية ومكوناتها)، والتعدين، والصناعات الدوائية واللوجستيات.
كما تؤطر زيارة جلالته لأن تكون المملكة مركزا إقليميا (Regional Hub)، تسعى المملكة إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بأسواق غربية وإقليمية، لتصبح بوابة ومحطة لوجستية وصناعية للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب تنويع الخيارات الاقتصادية، بما يعزز المرونة الاقتصادية والدبلوماسية عبر بناء شراكات متعددة الأقطاب، وموازنة العلاقة التاريخية مع الشركاء بعلاقات متنامية مع قوى اقتصادية صاعدة كالصين، خصوصا في ظل الأزمات الإقليمية المتلاحقة ودعم جهود الاستقرار في الشرق الأوسط.
دلالة توزيع الجولة الملكية
 على ثلاث مدن رئيسة
لم يكن توزيع الزيارة على بكين وشنغهاي وشنجن بروتوكوليا، بل حمل دلالات وظيفية دقيقة تعكس تخصص كل مدينة داخل المنظومة الصينية.
 فزيارة جلالته إلى بكين تكمن في كونها المركز السياسي والدبلوماسي، حيث أجرى جلالته لقاءات القمة الرسمية مع الرئيس الصيني ورئيس الوزراء، وجرى توقيع الاتفاقيات الرسمية، وتأكيد التوافق الدبلوماسي حول قضايا إقليمية ودولية.
أما زيارة جلالته إلى شنغهاي، فلكونها العاصمة المالية والتجارية، حيث أجرى لقاءات مع رؤساء كبرى الشركات ورجال الأعمال لجذب رؤوس الأموال والاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والمالية، فيما جاءت زيارة شنجن لأنها عاصمة الابتكار التكنولوجي، وبما يصب في بناء شراكات في التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات والتصنيع الذكي مع عمالقة التقنية الصينيين، بما يخدم تحديث القطاع التقني والمهني في الأردن.
أهمية الصين
 في الاقتصاد العالمي
يستمد التقارب الأردني الصيني جزءا كبيرا من أهميته من الوزن المتصاعد للصين في الاقتصاد العالمي، والذي تعكسه أحدث بيانات المؤسسات الدولية لعام 2026.
 فالصين تُعد محركا أساسيا للنمو العالمي، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الصين ستساهم بما يقارب ربع النمو الاقتصادي العالمي (نحو 24–26 % من إجمالي النمو الحقيقي العالمي) في عام 2026، وهي أعلى نسبة مساهمة لأي دولة منفردة، فيما يبلغ نمو الاتحاد الأوروبي مجتمعا نحو 9.5 % فقط من هذا النمو.
كذلك توجد حصة كبرى للصين من الناتج العالمي، حيث تستحوذ الصين على ما يقارب 19–20 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا احتُسب وفق تعادل القوة الشرائية، وهي أكبر حصة لأي اقتصاد منفرد في العالم، بينما تناهز حصتها بالقيمة الاسمية نحو 16–17 %.
وإذا جاز التعبير، فإن الصين بمثابة ورشة العالم وسلاسل التوريد، حيث تُعد المصنع والمصدر الأول عالميا، إذ تعتمد عليها الصناعات العالمية في تأمين السلع النهائية والمكونات الإلكترونية والرقائق ومواد التصنيع الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في إنتاجها أو تجارتها ذا تأثير مباشر على سلاسل الإمداد الدولية.
وباتت الصين تحتل موقع الريادة في التحول الأخضر والتقني في صناعة السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم والألواح الشمسية، إلى جانب تقدمها المتسارع في تقنيات الاتصالات الذكية والذكاء الاصطناعي، وهي بالضبط المجالات التي يسعى الأردن للاستفادة منها ضمن خطة التحديث الاقتصادي.
كما تُعد الصين ثقلا استهلاكيا في أسواق السلع، لكونها من أكبر مستوردي المواد الخام والطاقة والمعادن عالميا، ما يجعل أداءها الاقتصادي مؤشرا مباشرا على اتجاهات أسعار الطاقة والسلع الأساسية دوليا.
البعد الإستراتيجي والدبلوماسي للزيارة
تندرج الزيارة ضمن جهد أردني لتنويع الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية للمملكة في ظل الأزمات الإقليمية المتلاحقة، ودعم جهود الاستقرار في الشرق الأوسط، من دون أن يخل ذلك بشراكات الأردن الأخرى. وتُظهر اللقاءات التي عقدها جلالة الملك مع القيادة الصينية أن جانبا مهما من المباحثات تناول القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب الملف الاقتصادي والاستثماري.
وتمثل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني التاسعة إلى الصين محطة تراكمية في مسار علاقة ثنائية ممتدة، تنتقل تدريجيا من الطابع السياسي والتجاري التقليدي إلى شراكة استثمارية وتكنولوجية أعمق، في وقت تستمر فيه الصين في لعب دور محوري كمحرك رئيس للنمو والابتكار في الاقتصاد العالمي. وتوظّف المملكة هذه العلاقة لتنويع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي محتمل يربط الاستثمارات والصناعات الصينية بأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من دون المساس بشراكاتها التاريخية مع الغرب.
والمطلوب اليوم من القطاع الخاص والحكومة استثمار الاختراقات الملكية الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية التي تحققت في زيارة الصين وغيرها من الدول، للبناء عليها وديمومتها واستغلالها دون تردد، وبذل الجهود الكبيرة لحصد نتائجها.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً