رحلتي إلى “الكوكب الآخر”… ماذا وراء الرموز الصينية؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

جاءت رحلة الصين على عجل. في أقل من أسبوع رتبت الأمور. الفيزا، السفر، الحجوزات. سلاسة الترتيبات مع السفارة الصينية في بيروت أربكتني. لا تعقيدات، ولا مفاجآت سلبية. لم تترك لي هامشاً للتردد والتفكير. تعارضت مشاعري حد التصادم. الكثير من الشغف، والكثير من التوجس والقلق. شعور متناقض. شغف الاستكشاف وقلق اللغة والتواصل في “كوكب آخر”. لا يمكن لعملي أن يتوقف وأنا في بكين، ما السبيل لأبقى متصلاً بعالمي وأنا هناك في عالم آخر؟ بلاد بعيدة جغرافياً عن لبنان. ثقافة مختلفة… وحدها كلمات صديقتي الصينية في بيروت حملتها معي، رفقة حقيبتي الصغيرة. قالت QI: “أنت تشبه الصينيين كثيراً بعملك، بأسلوب حياتك الصحي الصارم، الرياضة، الانضباط… ستجد هناك الكثير منك، وستطور نسخة أجمل منك”. ضحكنا. قلت سأتوه. علميني بعض الكلمات. حتى الـ”نيهاو” (مرحبا) وجدتها معقدة!!

اقرأ أيضا: السيطرة على حريق في شقة بالتجمع الأول

ساعة الصفر. الطائرة. الانطلاق. لا أعرف أحداً مسبقاً ممن يتجهون إلى الصين الآن. كلما ازدادت غربتي كثرت أسئلتي وتعمقت هواجسي بما لم يسبق أن عايشت مثله من قبل مع الكثير من سفري شرقاً وغرباً…. لماذا الآن هذا القلق؟ 

في مطار بكين. (النهار)

تعبر الطائرة فوق جغرافيا أعايش يومياً أحداثها. تركيا ومحوريتها السياسية الآن. أوكرانيا إلى يسارنا. روسيا. أفغانستان، باكستان. آسيا الوسطى، باكو… قصص الجغرافيا السياسية تثيرني بأجمل صورة. إنما الآن الوجهة مختلفة… الصين. عشر ساعات بالطائرة لا أعرف كيف سأصل بعدها. شعرت بأنني سأحتاج إلى إكثر من اللغة لأفهم هذا البلد. “للصين لغة أخرى لا تسمع إنما ترى”، كلمات صديقتي QI الصينية أثارت شغفي. 

قبل دقائق من هبوط الطائرة في بكين استوقفتني حقول إنتاج الطاقة من الهواء. استوقفتني الطبيعة الخضراء الخلابة. هذه “نقطة ضعف” أولى لي أمام جمالية هذه المشاهد الآسرة. بدأت نسمات “الحب” تصلني؛ طبيعة، حقول اللوتس، ألوان ونباتات متنوعة غريبة رائعة. مهلاً. ثمة مختلف. مجسم باندا عملاق في المطار. باندا يبتسم للقادمين بهدوء شبيه بصورة الصين الهادئة. لا أعرف عنه الكثير إنما أعلم مدى ارتباط صورة الصين بالباندا. التنين، الأسد اللوتس، رموز لا تقل أهمية، كدت أمر أمامها بسطحية سخيفة، إلى أن لمست معانيها. هكذا بدأت تتشكل طلاسم الشيفرة الأولى لجمهورية الصين الشعبية. 

التنين لم يكن مجرد زخرفة جميلة كما ظننته في البداية. تأملته طويلاً. لماذا التنين؟ لماذا يبدو حاضراً في كل هذه التفاصيل؟ ماذا يريد الصينيون أن يقولوا من خلاله؟ أسئلة غريبة. أسد حجري ضخم يقف حارساً عند مداخل المنازل والمؤسسات، وزهرة لوتس تخرج من الماء كأنها تحمل رسالة لا تُقال بالكلمات.

خطوة تلو أخرى، اقتربت من فهم أن ما أراه ليس مجرد صور وزخارف. في الحقيقة كنت أقترب من ثقافة كاملة تختبئ خلف الرموز. ومن هنا بدأت قصتي مع الصين.

حيوان الباندا في الصين. (النهار)

كيف تقدم الصين نفسها للعالم؟ 

الباندا ليس التنين. التنين ليس الأسد ولا هو اللوتس. التنين مثلاً رمز ثقافي وتاريخي قديم، بينما الباندا أصبحت في العصر الحديث رمزاً طبيعياً وثقافياً للصين… فما قصة الباندا؟ لماذا كل هذا التكريم لها؟ في حديقة الحيوانات تبدو الباندا كأنها تعيش في قصر مع كل وسائل الراحة والترفيه. لم يسبق أن لمست كل هذا الاهتمام في أي بلد، كمثل اهتمام الصين بالباندا!! 

غريبة المسألة؟ ليس تماماً. الباندا العملاقة حيوان مستوطن في الصين، يعيش طبيعياً في المناطق الجبلية، ويمكن البحث كثيراً عنه… إنما ما لاحظته شخصياً هو هذا الاهتمام “البريميوم” بهذا الكائن. تتراجع الغرابة متى علمنا أن الباندا رمز للود والسلام. صورة هادئة وملامح محببة جعلت من الباندا وجهاً لطيفاً وغير عدائي ممثلاً للصين الحديثة. الصين، وضمن “ديبلوماسية الباندا” استخدمت هذا الحيوان اللطيف وسيلة في العلاقات الدولية لبناء الصداقة والتقارب مع دول أخرى، خصوصاً في القرن العشرين، حتى غدا الباندا رمزاً للحضور الصيني في العالم.

اقرأ أيضا: مستثمرو صفقة الأنابيب الكويتية اختاروا التمويل التأميني بدلاً من القروض المصرفية

حامل ذاكرة الصين القديمة وحاميها

خلال زيارتي لبرج الإذاعة والتلفزيون في بكين، استوقفني طويلاً مجسم عملاق لتنين أصفر مثير للاهتمام. ربطت المجسم بأمثاله الأصغر حجماً في غير مكان في بكين. “نورا” شابة صينية تتحدث العربية. سألتها عن معناه ورمزيته بالنسبة لها كصينية ولعائلتها وشعبها، فاختصرت القصة ببضع كلمات بعربيةٍ فصحى انسيابية: التنين بالنسبة لي وبالنسبة للصينيين رمز للقوة والحظ والحماية والازدهار، وهو يرتبط تاريخياً بالمطر والماء وبالسلطة الإمبراطورية. -أليس رمزاً للشر… أو على الأقل هكذا عرفناه في بلادنا؟ ابتسمت: لا، هنا  يُنظر إليه تقليدياً ككائن قوي ومبارك. 

أمسكت هاتفها، وأرتني نصاً، فيه التالي: “التنين في الثقافة الصينية ليس وحشاً يُخشى منه، بل رمز للقوة والحظ والحماية، وحاملٌ لذاكرة الصين القديمة”.

زهرة اللوتس الصينية. (النهار)

القوة… ودفع الشر

كما الباندا والتنين، لا بد من ملاحظة وجود الأسد بكثرة أمام المنازل والمباني التقليدية كأنه حارس للمكان. أسدان حجريان في العادة عند مدخل المنزل أو الفندق أو… أسدان “مكشران” عن أنيابهما. متشابهان بملايين النسخ على امتداد الصين. الأسد كما فهمت في الثقافة الصينية يرمز أساساً إلى الحماية.
الأسد ليس الباندا. ليس حيواناً أصيلاً في الصين، لكن صورته دخلت الثقافة الصينية قديماً عبر التبادل مع مناطق أخرى، ثم اكتسبت معانيها الخاصة في الصين. هو الآن الحارس الصامت، دافع الشر، ورمز القوة والأمان.

رمز النقاء 

القصة لم تنته، ما زالت في البداية. هي بعض الرموز. بعض الشيفرات لفهم نظرة الصين وشعبها للحياة. رموز تختصر الكثير كزهر اللوتس، رمز النقاء والجمال والسمو.  ومن أجمل صورها أنها تنمو من الطين والماء ثم تتفتح بزهرة نظيفة وجميلة.تحافظ على النقاء رغم صعوبات الحياة، لذا ارتبطت بالتقاليد البوذية وبالفن والشعر والحدائق. تخرج من الطين، لكنها لا تحمل شيئاَ من قذارته، وكأنها تقول إن الإنسان يستطيع أن يعيش وسط صعوبات الحياة من دون أن يفقد جماله ونقاءه… وللقصة بقية.

 

اقرأ أيضا: البطاينة يحصد ذهبية بطولة تركيا المفتوحة للسكواش

‫0 تعليق

اترك تعليقاً