حين يصبح الجميع صحفيين: ماذا تبقى للصحافة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تتناقش إدارات وسائل الإعلام يومياً حول التحول الرقمي وكيفية تحقيقه داخل المؤسسات، فيما تتابع الأقسام الرقمية تغير الخوارزميات، وأعداد المتابعين، وأشكال التفاعل، ويستمر النقاش حول خفض النفقات، ورفع الإيرادات، وتعزيز القدرة على المنافسة.


د.روان جيوسي

تتناقش
إدارات وسائل الإعلام يومياً حول التحول الرقمي وكيفية تحقيقه داخل المؤسسات، فيما
تتابع الأقسام الرقمية تغير الخوارزميات، وأعداد المتابعين، وأشكال التفاعل،
ويستمر النقاش حول خفض النفقات، ورفع الإيرادات، وتعزيز القدرة على المنافسة.

اقرأ أيضا: لحسم التفاصيل الأخيرة لانتقاله للبرسا، رودري يصل إلى برشلونة في هذا الموعد

 

يحدث
ذلك كله في ظل أزمة أوسع تتمثل في تراجع ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، وتراجع
مساحات الحرية الصحفية في العديد من البيئات، والتغير الجذري في عادات استهلاك
الأخبار.

لكن
ربما تكون الحقيقة الأكثر إرباكاً أن القيمة المضافة للخبر نفسه لم تعد كما
كانت؛ فلخبر لم يعد سلعة نادرة ينتظرها الجمهور من صحيفة أو إذاعة أو تلفزيون،
بل أصبح مادة سريعة تصل عبر المنصات إلى الهواتف الذكية قبل أن تنتهي غرفة الأخبار
من تحريرها. ومع قدرة أي شخص تقريباً على نقل المعلومة وإعادة إنتاجها وتوزيعها،
انتقلت القيمة تدريجياً من امتلاك المعلومة إلى القدرة على إنتاج المعرفة حولها.

وفي
الغرفة الأخرى، يقبع الصحفيون والصحفيات أمام أسئلة مقلقة ومتشابكة: هل انتهت
الصحافة بموت الخبر؟ هل أصبح الصحفي المحترف في منافسة غير عادلة مع صناع المحتوى
والمؤثرين؟ وهل سنتراجع عن أدوارنا في التوعية والتثقيف والإخبار، ونرضخ لما
تحتاجه المنصات من محتوى سريع، وقابل للانتشار، ومدرّ للدخل؟

وربما
يكون السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل سيتم استبدالنا بالذكاء الاصطناعي؟ قد تكون الإجابة الأولى: لا. لكن
الإجابة الأكثر صدقاً وتعقيداً هي أن الصحافة التي تكتفي بإنتاج ما تستطيع
الآلة والمنصة إنتاجه ستكون بالفعل أمام خطر حقيقي؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع
التلخيص، والترجمة، والتفريغ، وتحليل البيانات، وإنتاج المسودات، واقتراح
العناوين، بينما تستطيع المنصات إيصال المحتوى إلى جمهور هائل بسرعة لا تستطيع
معظم المؤسسات الإعلامية منافستها فيها.

 

لكن ذلك لا يعني أن الآلة تستطيع أن تحل
محل الصحافة؛ بل يعني أن علينا أن نعيد تعريف دور الصحفي وموقعه في العملية
الإعلامية، وأن نسأل من جديد عن أهمية الصحافة وضرورتها وحاجتها وقيمتها المضافة
ومسؤوليتها الأخلاقية.

لم
يعد ممكناً تأجيل النقاش العلمي والمهني حول واقع الصحافة والإعلام في عالمنا
العربي. ففي ظل تراجع القيمة الاقتصادية والتنافسية للخبر، علينا أن نسأل: ما الذي سيملأ الفراغ؟ هناك اليوم نقاش متزايد حول أهمية
القصة المحلية الغائبة عن الشاشات الكبرى، وحول الصحافة البناءة وصحافة الحلول،
وحول الحاجة إلى التحليل والتفسير بدلاً من الاكتفاء بالنقل. لكن هذا التحول يجب
ألا يقود إلى استبدال الخبر بالتحليل الجاهز، أو المراسل بالمحلل، أو الوقائع
بالآراء.

ونحن
نرى بالفعل هذا التحول داخل غرف الأخبار. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الأخبار
العاجلة متاحة للجميع، تفرد القنوات الإخبارية ساعات طويلة للمحللين والخبراء، ليس
لأن الجمهور لا يريد معرفة ما حدث، وإنما لأنه يريد أن يفهم لماذا حدث، وماذا
يعني، وماذا سيحدث بعد ذلك.

 

وهنا تنتقل القيمة من الخبر إلى المعنى. لكن تقديم المحلل على المراسل يطرح
سؤالاً آخر لا يقل أهمية: أي نوع من الوعي يتشكل عندما تقدم للجمهور كميات هائلة
من المعلومات الجاهزة في صورة تحليل وحقيقة؟ وكيف تتحول الاتجاهات والتقديرات إلى
حقائق، في ظل غياب التفكير النقدي ومهارات الدراية الإعلامية التي تمكن الجمهور من
السؤال عن ملكية وسيلة الإعلام، وتوجهاتها، ومصالحها، وموقع المحلل نفسه، وتوقيت
تحليله، وارتباطاته السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية؟

لذلك،
لا ينبغي أن تكون الاستجابة هي تحويل الجمهور من متلقٍ سلبي للأخبار إلى متلقٍ
سلبي للتحليل، وإنما إلى مشارك قادر على مساءلة ما يقرأ ويسمع ويشاهد. فالصحافة لا تقوم فقط على تقديم
الإجابات، بل على مساعدة الجمهور في معرفة الأسئلة التي ينبغي طرحها، والتمييز بين
الحقيقة والرأي، وبين المعلومة والتفسير، وبين التحليل القائم على الأدلة والموقف
الذي يرتدي ثوب التحليل.

ومن
هنا تبرز أهمية صحافة الميدان والعودة إلى الناس واستلهام القصة من الواقع. فالقصة
الصحفية لا ينبغي أن تبدأ دائماً من البيان الرسمي أو المنشور على منصة اجتماعية،
بل من محاولة فهم الحدث في تفاصيل حدوثه وأسبابه المباشرة والكامنة، وإيصال أصوات
أبطاله أو ضحاياه، وتحديد أطرافه، وتتبع المسؤوليات، وفهم السياق الذي أنتجه.

 

ففي
عالم يستطيع فيه الصحفي متابعة عشرات المصادر من شاشة مكتبه، ويستطيع الذكاء
الاصطناعي جمع المعلومات وتلخيصها خلال ثوانٍ، قد يبدو أن الميدان أصبح أقل أهمية،
لكن الحقيقة هي العكس تماماً: كلما أصبحت الصحافة المكتبية أسهل، أصبحت صحافة الميدان
أكثر قيمة.

تستطيع
المؤسسة الإقليمية أو الدولية تغطية الحرب، أو الأزمة الاقتصادية، أو الانتخابات،
لكنها قد لا تمتلك الوقت أو القدرة على الوصول إلى التفاصيل الصغيرة التي تشكل
حياة الناس. وقد تستطيع غرفة الأخبار أن تروي ما حدث في مدينة ما، لكنها لا تستطيع
بالضرورة أن تعرف كيف عاش سكان ذلك المكان الحدث، وما الذي تغير في حياتهم بسببه،
وما الذي لا يظهر في البيانات والتصريحات.

 

ومن هنا تصبح المحلية ميزة تنافسية وليست مجرد نطاق جغرافي. ويشير بحث لمعهد رويترز حول التحول الرقمي في الأخبار
المحلية إلى أهمية التخصص والعمق المحلي، أو ما يصفه بـ local depth، في بناء قيمة
المؤسسات الإعلامية المحلية في مواجهة التحديات الاقتصادية والرقمية. وهذه إحدى
المفارقات الكبرى في مستقبل الصحافة: كلما أصبح العالم أكثر اتصالاً، أصبحت القصة المحلية أكثر
أهمية.

اقرأ أيضا: موعد مباراة الهلال والرائد بكأس خادم الحرمين الشريفين

وإذا
حسمنا أن الصحافة ما زالت أولوية، وأنها تستطيع أن تزدهر بأشكال مختلفة، من
البودكاست والفيديو والنشرات البريدية المتخصصة إلى المنصات الرقمية والتحقيقات
القائمة على البيانات وتحليلها، بل وحتى تأسيس مشاريع إعلامية صغيرة أو شركات
ناشئة، فإن التكنولوجيا لا تبدو أكبر تحدياتها، وإنما تحدياً إضافياً فوق تراكمات
أعمق.

 

فهناك تراجع الحريات، وضعف الموارد، وتراجع المهنية، وغياب التنظيم الذاتي
الفعال، وضعف الالتزام بأخلاقيات المهنة، والرقابة الذاتية، والقوانين المقيدة،
وضعف نماذج التمويل، والابتعاد التدريجي عن الجمهور، وغياب التخطيط الاستراتيجي.
ولهذا فإن التحول الرقمي وحده لن ينقذ الصحافة؛ ما تحتاجه الصحافة هو إعادة
بناء العلاقة بين المهنة والمجتمع.

أي
أن تعود الصحافة إلى الميدان، وإلى القصة الإنسانية، وأن تستعيد قدرتها على
التحقيق والمساءلة، وأن تقدم التفسير لا التكرار، وأن تجعل الجمهور شريكاً لا مجرد
رقم في عداد المتابعين، وأن تبني نموذجاً اقتصادياً لا يقتل استقلالها، وأن تستخدم
التكنولوجيا لتصبح أكثر فعالية ودقة وسرعة وكفاءة، لا أن تستخدمها فقط لإنتاج المزيد
من المحتوى.

وهنا
تحديداً تلتقي الصحافة مع مفهوم الريادة. فالريادة لا تعني فقط امتلاك فكرة جديدة
أو الوصول إلى التمويل، بل القدرة على تحديد حاجة حقيقية، وبناء حل ذي قيمة لها،
واختبار هذا الحل، والاستماع إلى المستخدمين، وتعديله، ثم بناء نموذج يسمح
باستمراره.

 

والصحافة ليست استثناءً من هذه القاعدة. فإذا كانت المؤسسة الإعلامية
لا تعرف ما الحاجة التي تلبيها، ولا تعرف جمهورها، ولا تستطيع تفسير القيمة التي
تضيفها، فلن تنقذها منصة جديدة ولا تقنية جديدة ولا نموذج تمويل جديد.

في
عالم وفرة المعلومات، تصبح قيمة الصحافة في التحقق؛ وفي عالم السرعة، تصبح
قيمتها في العمق؛ وفي عالم الخوارزميات، تصبح قيمتها في الإنسانية؛
وفي عالم المحتوى المجاني، تصبح قيمتها في الثقة؛ وفي عالم المؤسسات
الكبرى، تصبح قيمتها في القصة المحلية؛ وفي عالم الذكاء الاصطناعي، تصبح
قيمتها في الصحفي الذي يذهب إلى الميدان، ويستمع، ويسأل، ويشكك، ويتحقق، ويربط
الأحداث بحياة الناس.

لم
يمت الخبر، لكن احتكار الصحافة للخبر انتهى. وما يبقى للصحافة ليس مجرد القدرة على
نقل ما حدث، بل قدرتها على أن تجعلنا نفهم لماذا حدث، وماذا يعني، ومن تأثر به،
ومن يتحمل مسؤوليته، وما الذي يمكن أن يحدث بعده. وهذه ليست قيمة صغيرة يمكن
للصحافة أن تتخلى عنها؛ إنها ربما السبب الأساسي الذي يجعل وجودها ضرورياً أصلاً.

*المديرة التنفيذية لمدرج لريادة
الإعلام الرقمي

اقرأ أيضا: تيسير الإجراءات الجمركية في دبي من أسباب صعود الإمارات في مؤشر التنافسية العالمي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً