جريدة الغد
عقد منتدى الفكر العربي محاضرة بعنوان “جدل السيد والعبد داخل الذات”، قدمها الدكتور أحمد برقاوي، عميد بيت الفلسفة في الفجيرة، وأدارتها الدكتورة أماني غازي جرار، القائم بأعمال الأمين العام للمنتدى، بحضور عدد من المهتمين بالشأن الفكري والفلسفي.
اقرأ أيضا: تراجع معظم مؤشرات البورصة بمستهل تعاملات اليوم الإثنين
وأوضح الدكتور أحمد برقاوي أن الذات لا تُفهم بوصفها مجرد “أنا” واعية بوجودها، وإنما بوصفها الأنا حين تنتقل من مستوى الوعي المجرد إلى الممارسة والفعل، فتتعيّن في الحياة والواقع من خلال اختياراتها وعلاقاتها ومواقفها وطريقة تعاملها مع العالم من حولها.
فالذات، في تصوره، لا تكتمل بمجرد إدراك الإنسان لوجوده، وإنما تتشكل من خلال وعيه بهذا الوجود، ومن خلال امتلاكه موضوعات وجوده وقدرته على الفعل فيها والتأثير عليها، لافتًا إلى أن السيادة والعبودية تمثلان حالتين من حالات وجود الذات، وبالتالي حالتين من حالات وعيها بنفسها.
وبيّن أن فكرة “جدل السيد والعبد” تعود إلى الفيلسوف الألماني هيغل، الذي قدمها بوصفها تناقضًا ديالكتيكيًا بين ذاتين تسعيان إلى الاعتراف، حيث تنتهي المواجهة إلى سيادة إحداهما وخضوع الأخرى، قبل أن يقود وعي العبد بعبوديته إلى وعيه بحريته، فيما يكتشف السيد أن سيادته تقوم، في جانب منها، على عمل العبد.

وأشار إلى أن هذا الجدل شكّل مدخلًا مهمًا لفهم الصراع الطبقي ووعي الإنسان بذاته، غير أن قراءته تتجه إلى نقل هذا الجدل من العلاقة بين ذاتين إلى داخل الذات الإنسانية نفسها.
وأوضح أن ما يميز هذا التصور هو النظر إلى الذات التي تعيش جدل السيادة والعبودية باعتبارها ذاتًا خاطرت بسيادتها من أجل عبوديتها، فتحصل من خلال خضوعها على سيادة منقوصة على غيرها.
وينشأ عن هذا التناقض، وفق برقاوي، انقسام داخل الذات إلى ذاتين متعارضتين؛ إحداهما تنفر من الأخرى أو تتوعدها أو تنتقم منها، ويظهر هذا الصراع من خلال علاقة الإنسان بالآخر وبالمحيط الذي يعيش فيه.
ويرى أن هذا النمط من الذات يمكن أن يتشكل في المجتمعات التي لم تنتصر فيها الذات الإنسانية، ولم يُعترف بوجودها الحر وحقها وهيبتها.
وأشار إلى أن تحليل هذا التناقض الداخلي يفتح مجموعة من الأسئلة الفلسفية والإنسانية المرتبطة بواقعنا الراهن، وفي مقدمتها: ما الشروط التي تؤدي إلى تشكل هذه الذات المنقسمة؟ وكيف تتجلى في العلاقات الإنسانية والممارسات الاجتماعية؟ وما الظواهر السلبية التي يمكن أن تنتج عنها؟ وما السبل التي تتيح للإنسان تجاوز هذا الانفصال واستعادة وحدته الداخلية وحريته؟ مؤكدًا أن هذه الأسئلة تشكل محور المحاضرة، في محاولة لقراءة جدل السيد والعبد بوصفه تجربة تعيشها الذات الإنسانية من الداخل، لا مجرد علاقة بين طرفين.
وكانت الدكتورة أماني غازي جرار أكدت أن الفلسفة أداة أساسية لتحرير العقل وإيقاظ الوعي، مشيرةً إلى أن أزمة الإنسان العربي لا ترتبط بالمعرفة وحدها، وإنما تتصل بصورة عميقة بعلاقته بذاته وقدرته على ممارسة حريته الداخلية، وأشادت بالمشروع الفكري للأستاذ الدكتور برقاوي، مؤكدةً أنه يُعد من أبرز الفلاسفة العرب المعاصرين الذين انشغلوا بأسئلة الذات والحرية والوجود، وسعوا إلى إعادة الاعتبار للفلسفة بوصفها ممارسةً لتحرير الإنسان من أنماط التفكير الموروثة والهيمنة الفكرية والنفسية والاجتماعية.

وبيّنت أن الإنسان يحمل في داخله صراعًا مستمرًا بين نزوعه إلى الحرية والاستقلال والإبداع، وبين ما قد يفرضه عليه الخوف والتبعية والاستسلام والاعتياد من قيود تحد من إرادته، وقد يعيش هذا التناقض دون أن يدركه، فيبدو حرًا ومستقلًا في ممارسته الخارجية، بينما تظل إرادته ووعيه خاضعين لقيود داخلية تحول دون امتلاكه حريته الحقيقية، وأشارت إلى أن وعي الإنسان بذاته وبمصادر خضوعه يمثل خطوة أساسية نحو استعادة حريته الداخلية والتحرر من الانقسام الكامن في ذاته.
وأكدت أن تحرير الإنسان من الداخل يمثل أساسًا لأي مشروع حقيقي للنهضة والإصلاح، إذ لا يمكن بناء مجتمع حر وقادر على التغيير من دون إنسان يمتلك وعيه وإرادته ويستطيع مساءلة أفكاره وقناعاته، وأشارت إلى أن التغيير لا يرتبط فقط بتبدل الظروف أو البنى والأنظمة الخارجية، بل يبدأ من قدرة الإنسان على تجاوز القيود الفكرية والنفسية التي تعيق حريته، وعلى ممارسة التفكير النقدي وتحمل مسؤولية اختياراته.

وجرى نقاش موسع بين المحاضر والحضور، تناول عددًا من القضايا المرتبطة بالذات الإنسانية وعلاقتها بالحرية والوعي والآخر، وما تتركه حالات الخضوع والتبعية والهيمنة من آثار في تشكيل شخصية الإنسان وسلوكه وعلاقاته، كما تطرق النقاش إلى مظاهر الانقسام الداخلي للذات في الواقع المعاصر، وكيف يمكن للإنسان أن يتحول، في بعض الحالات، إلى طرف في إعادة إنتاج القيود التي يخضع لها، من خلال ممارساته ومواقفه وعلاقته بالآخرين.
اقرأ أيضا: موعد مباراتي منتخب مصر في أول جولتين بتصفيات أمم أفريقيا 2027
