بين الإلهِ والملعقة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لوران ليلي

اقرأ أيضا: انتشال جثمان شاب من مياه الرياح التوفيقي بميت غمر في الدقهلية

كصانعٍ أميٍّ انهمك في كبوته الأبدية، يعتلي مقعداً نخره السوس، وينفث غبار النبوءات على أوجه الملائكة؛ يمشّط شعر السماء بحثاً عن نرده، ويلوي شاربيه المبللين بقهوة الصباح في شفقةٍ ساخرة. تسللت أظافره الغليظة في أحشاء السحاب، حتى اشتبكت عروق قبضته بشيءٍ صلب، فتشبّث به بلوعة شفقٍ طاعن في الحظ، مطارداً سقوطه، حالِماً، يستجدي رمقةً من قدره العاقر، الذي خطف من رحم مأساة وثرثر بالخطيئة. 
يمارس لهوه، حائراً بين أن يبعث بنرده في رميةٍ واحدة على سياجِ الغيب، أو أن يطحن خلائِقه الست في كفهِ، فيسحق كل وجهٍ كان يمكن أن يصير خلقاً. في سهوةٍ من السهوات، زلت يده، لم يهوِ النرد إلى الأسفل كعادته، بل سقط نحوه، ولقف سِفراً، وكأن اليقين الأول طفا كغشاوةٍ تتفقّد حواف السطورِ المبتورة قبل أن تستوي في هيئةِ ملامح. بؤرة مكثفة من اللحمِ والأخطاء اللغوية، انتزعها كعجينةٍ وسحبها إلى نواة عتمته، تحركت في تلك المسافة العبثية الفاصلة بين الطين والشموخ، وغرقت في محجريه، كأنها تهوي في ذروة سطوره العكرة. في تلك البرهة المتورمة، انفجرت حويصلة الوقت؛ لم يكن في الأغوار عرش يسند، بل اقتطاع هائل من الفراغ، كلما تتكوّد الأزلية كعضلةٍ نيّئة في فم العدم.

 تهشّمت الهيئات على عجل، وقضم ملامحها بأحداق طائرة حافية، يذيب الأنف والشفتين في حوجلة التخمين قبل أن تركد الحقيقة على حافة الملاءة. بينما يقتطع من تفاصيلها بوصةً ليعيد تركيب الخلق، تمددت الملامح كورقةٍ يابسة، اقتراب محاط بهيبة، تشبه ملامسةَ سقف العرش بلسانٍ مقطوعٍ. في عينيها تعفّن النور، واستدارت أجنّة النبوءات داخله كحبّات ملحٍ تدور في فلكها؛ وجهها كتاب شاحب، كتاريخٍ ورقيّ ترك تحت المطر على نافذةٍ محطمة، تلسعه الريح فينكمش بقسوة، كخطأ اعتاد النحاة تجاوزه في غفلة تجاربهم القديمة. خصلاتها طرق ملفوفة نحو القيامة، يسلكها الشياطين كلما انبعث منها عطر حاد يشبه رائحة الحطب المبلل بعد المطر. الشياطين لا يملكون أجنحةً ليرفرفوا ظلها، لكنهم يعرفون كيف يتفسخ المجاز عند خصرها، ويتكاثف عطرها كله في قطرةٍ واحدة، تنزلق كالمعنى على حوافها المسننة.
 كلما حاولوا اقتناصها من شقّ الجحيم الثاني، أبحروا بها دون مجاديف، غارقين يلتقون وجه الإله، عائمين يلتقون وجه الإله. الأيادي المبللة تمسكت بالأكتاف المجهدة كأنها تقلم أظافر الخوف فوق لجّةٍ، فيما تقاطرت الرذاذات من الأقفاء والأعناق، لتميز لحظة الانحصار. لا دفعةً واحدة، بل طبقة بعد طبقة، حتى صار الماء يخلع عنهم ظلالهم ويطويها فوق رؤوسهم كأكفانٍ سوداء. كانت أذرعهم تضرب السّدفة عبثاً، وتعود إليهم محمّلةً بملحٍ قديمٍ، كأن المحيط قد طحن عظام الذين سبقوهم وذرّها في جوفه. 
في القاع، رأوا وجوههم تتفسّخ عنهم. كانت الملامح تنسلّ من عينٍ تسبح وحدها، شفةٍ تتلوّى بين التيارات، وأسنانٍ تتناثر في الرمل. على الطرف الآخر من الهاوية، كان يفرغ من قاطنيه تِباعاً، يجلس على ركبتيه، ينفض الرماد عن كبده، ويحاول أن يكتب نصاً جديداً، فتلتوي وتعود إلى نقطة البداية. 
صلاتها الأخيرة شتيمة، كنصف سيجارة محترقة؛ هزّ رأسه، وألقى بالنرد بين قدميه ليضيع في ركام الفضاء، ثم غرس الملعقة في قعر فنجانه البارد، محركاً بقايا الشياطين ببلادة، كمن يغلق كتاباً على آخره لمنعِ الحبر من السيلان، فلا نبيّ يمرّ هذا المساء، ولا إله يملك الشجاعة بأنه خسر الرهان.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً