الهند تتصدر الاقتصادات الكبرى نمواً: قوة الأرقام تنتظر ترجمتها إلى وظائف

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يحمل الاقتصاد الهندي مفارقة تستحق التوقف عندها. هو يحقق معدلات نمو تحلم بها معظم الاقتصادات الكبرى، لكن شاباً هندياً يحمل شهادة جامعية قد يمضي أشهراً باحثاً عن وظيفة تناسب مؤهلاته. وبين قوة الأرقام وصعوبة الحياة اليومية بالنسبة إلى شرائح واسعة، تتشكل قصة الصعود الهندي.

اقرأ أيضا: «فيتوات» وخلافات داخلية تعقّد استكمال حكومة الزيدي

نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 7.7 في المئة في السنة المالية 2025-2026، مقارنة بنحو 7.1 في المئة في السنة السابقة، وفق تقديرات رسمية أولية. وفي الفصل الأخير وحده، بلغ النمو 7.8 في المئة. وهذه وتيرة لافتة لاقتصاد يناهز حجمه أربعة تريليونات دولار ويخدم أكثر من 1.4 مليار نسمة. وهي تضع الهند في موقع أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، في حين تتعرض التجارة العالمية إلى اضطرابات متزايدة وترتفع تكاليف الطاقة. ويتوقع البنك الدولي أن يتباطأ النمو إلى نحو 6.6 في المئة في السنة المالية 2026-2027. لكن حتى مع هذا التباطؤ، تبقى الهند متقدمة بفارق واضح على معظم الاقتصادات الكبرى.

قوة السوق الداخلية


لا يعتمد النمو الهندي على التصدير وحده. يمنح حجم السكان الشركات سوقاً داخلية هائلة، ويعزز توسع الاستهلاك الحضري وارتفاع مداخيل بعض الشرائح الطلب على المساكن والسيارات والهواتف والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية. ويؤدي قطاع الخدمات دوراً رئيسياً، ولاسيما تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتمويل والخدمات المهنية. وقد بنت الهند خلال العقود الماضية من الزمن سمعة عالمية في تطوير البرمجيات وتشغيل المراكز التقنية وتقديم الخدمات إلى الشركات الدولية.

في الوقت نفسه، ضخت الحكومة استثمارات كبيرة في الطرق والسكك الحديد والمطارات والموانئ وشبكات الطاقة. ولا توفر هذه المشاريع نشاطاً اقتصادياً فورياً فحسب، بل تساعد أيضاً في ربط المدن والمناطق الصناعية وخفض الوقت الذي تستغرقه حركة البضائع داخل بلد مترامي الأطراف.

وتريد نيودلهي أن تضيف التصنيع إلى محركات نموها التقليدية. وهي تستفيد من سعي الشركات العالمية إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل اعتمادها الزائد على الصين. وقد جذبت قطاعات الإلكترونيات والهواتف والسيارات والأدوية والطاقة المتجددة استثمارات جديدة، مدعومة بحوافز حكومية مرتبطة بالإنتاج. لكن الهند لم تصبح بعد بديلاً صناعياً كاملاً من الصين. وتختلف جودة البنية التحتية من ولاية إلى أخرى، وتبقى الإجراءات التنظيمية معقدة في بعض القطاعات. كذلك تواجه الشركات نقصاً في المهارات وازدياداً في بعض التكاليف اللوجستية، فيما لم ترتفع حصة الصناعة التحويلية من الاقتصاد بالسرعة التي استهدفتها الحكومة.

حين يسبق النمو الوظائف


هنا يكمن التحدي الأكبر. تحتاج الهند سنوياً إلى استيعاب ملايين الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بينما لا تستطيع الوظائف التقنية والمالية ذات المهارات المرتفعة استيعابهم جميعاً. وتشير دراسات سوق العمل إلى أن انتقال الشباب من الجامعات إلى الوظائف لا يزال صعباً، وأن نمو عدد الخريجين لم يقابله توسع مماثل في الوظائف الملائمة لمؤهلاتهم. ويعمل قسم كبير من السكان في الاقتصاد غير المنظم، حيث الدخل المتقلب والحماية الاجتماعية المحدودة.

اقرأ أيضا: موعد عرض مسلسل بنات عمير الحلقة 17

حتى قطاع تكنولوجيا المعلومات، الذي وفر طويلاً لأفراد الطبقة الوسطى طريقاً سريعة إلى الازدهار، دخل مرحلة تحول. يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ عدد متزايد من المهمات الروتينية في البرمجة وخدمة العملاء ومعالجة البيانات. وقد يولّد وظائف جديدة، لكنه يفرض في الوقت نفسه إعادة تدريب واسعة وسريعة.

هذا وتستورد الهند أكثر من 85 في المئة من احتياجاتها من النفط الخام، ما يجعلها شديدة التأثر بارتفاع الأسعار أو تعطل الإمدادات التي تمر عبر الخليج العربي. ويؤدي صعود النفط إلى زيادة فاتورة الاستيراد والضغط على الروبية ورفع تكلفة النقل والإنتاج. ازداد معدل تضخم أسعار المستهلكين إلى 4.45 في المئة في تمو/ يوليو 2026، مدفوعاً خصوصاً بأسعار الغذاء. ولا يزال المعدل من ضمن نطاق مصرف الاحتياطي الهندي البالغ 2-6 في المئة، لكن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة قد يفرض تشديد السياسة النقدية ويحد من الاستهلاك والاستثمار.

النجاح في حياة الناس

لا شك في أن النمو الهندي حقيقي ولافت. تجمع البلاد بين سوق داخلية ضخمة وقاعدة بشرية شابة وقطاع خدمات عالمي واستثمارات متزايدة في الصناعة والبنية التحتية. لكن الاختبار الفعلي لن يكون تسجيل 7 أو 8 في المئة لعام إضافي. سيكون في قدرة الاقتصاد على توفير وظيفة مستقرة لشاب حديث التخرج، وزيادة دخل أسرة ريفية، وتحسين الخدمات، ومنح العامل غير المنظم قدراً أكبر من الأمان.

في نهاية المطاف، إذا نجحت الهند في تحويل سرعة النمو إلى إنتاجية أكبر ووظائف أكثر ومداخيل أعلى، فستكون أمام تحول اقتصادي بعيد الأجل. أما إذا بقي الناتج يتقدم على فرص العمل ومستويات المعيشة، فسيظل الصعود الهندي لافتاً في الجداول، وأقل وضوحاً في حياة الناس.

اقرأ أيضا: دمج الوزارات “الفريضة الغائبة”.. مكاسب بالجملة لإعادة هيكلة الحقائب المتقاطعة والمتشابهة.. رفع كفاءة الحكومة وخفض الإنفاق العام ومنع تضارب الاختصاصات والحد من الفساد أبرزها

‫0 تعليق

اترك تعليقاً