بعد أسابيع من المعاناة التي أثقلت كاهل المواطنين، كشفت وزارة النفط والمعادن، الأربعاء، النقاب عن الأسباب الحقيقية والتفاصيل الدقيقة التي تقف وراء أزمة الغاز المنزلي الخانقة في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة. وتزامناً مع هذا الكشف، أعلنت الوزارة عن حزمة قرارات وإجراءات طارئة لإنهاء الأزمة، وضبط الأسواق، وإعادة الإمدادات إلى مسارها الطبيعي.
وفي بيان تفصيلي أوضحت الوزارة أن الأزمة الحالية لم تكن ناتجة عن استهداف ممنهج لمحافظة بعينها أو مجرد تقصير إداري، بل هي نتاج تراكمات وعوامل متداخلة أثرت بشكل مباشر وصادم على شريان الإمداد الرئيسي من منابع الإنتاج إلى أسطوانات المواطنين.
اقرأ أيضا: تعيين رشا عبد العال رئيسا لمصلحة الضرائب لمدة عام
وأزاحت الوزارة الستار عن لغة الأرقام، كاشفة أن أسطول ناقلات الغاز تعرض خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس من العام الجاري 2026، لما يقارب 25 قطاعاً قبلياً. هذه التقطعات المستمرة أدت إلى شلل في حركة الإمدادات لمدة إجمالية بلغت 126 يوماً، وهو ما يعادل تعطيل الإمداد لأكثر من 53% من إجمالي الفترة، الأمر الذي انعكس بصورة كارثية على انتظام الكميات المخصصة للمحافظات.
ولم تقف الأسباب عند حاجز التقطعات الأمنية، بل ساهم الاستنزاف غير المبرر للغاز المنزلي في تفاقم المشكلة. فقد أدى التوجه العشوائي لتحويل محركات آلاف السيارات والمركبات، والمنشآت التجارية، للعمل بالغاز بدلاً من البنزين، إلى التهام حصص ضخمة كانت مخصصة في الأساس لتأمين احتياجات الأسر، وتزامن ذلك بأسوأ شكل ممكن مع أعمال صيانة اضطرارية وحتمية في معامل إنتاج الغاز بمنشأة صافر.
واستشعاراً لخطورة الموقف، شرعت وزارة النفط في تطبيق خطة طوارئ شاملة، تبدأ بإعادة هيكلة جذرية لآلية التوزيع، وتعديل الحصص المعتمدة لتتوافق مع الكثافة السكانية الفعلية لكل محافظة. وأصدرت الوزارة توجيهات صارمة للشركة اليمنية للغاز بضرورة وضع المواطن واحتياجات الأسر في قمة الأولويات المُلحة.
وعلى الصعيد الميداني، شُكلت غرفة عمليات مشتركة تعمل على مدار الساعة لتعقب ومراقبة حركة قاطرات الغاز، منذ لحظة خروجها من المصدر وحتى تفريغها بأمان في محطات التعبئة. وبدءاً من مطلع الأسبوع القادم، ستنزل لجان فنية متخصصة إلى الميدان لحصر الاحتياجات الحقيقية للمحافظات، في عمل مشترك يضم السلطات المحلية، الأجهزة الأمنية، وزارة الصناعة والتجارة، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني لضمان الشفافية التامة.
اقرأ أيضا: الأهلي يكشف موعد خضوع بلعمري لجراحة الرباط الصليبي في ميونيخ
وحظيت العاصمة المؤقتة عدن باهتمام خاص، حيث باشرت لجنة مشتركة مهامها للرقابة والتقييم الصارم لمحطات بيع وتعبئة الغاز. وتهدف الحملة إلى التأكد من التزام هذه المنشآت باشتراطات الأمن والسلامة، مع توجيه ضربات حازمة للمحطات المخالفة واتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحق كل من يثبت تلاعبه، على أن تُرفع نتائج هذه الحملة الأسبوع المقبل.
ولضمان عدم تكرار سيناريو التقطعات، تجري الوزارة تنسيقاً عالي المستوى مع القيادات الأمنية والعسكرية لتوفير حماية مشددة لخطوط نقل الغاز، مع تكثيف الرقابة لضرب أي محاولات للاحتكار أو التلاعب بأسعار وقوت المواطنين.
وفي خطوة تعكس التوجه نحو معالجة جذور المشكلة، كشفت الوزارة عن العمل على دراسة حلول استراتيجية طويلة الأمد، من أبرزها تنويع مصادر إمدادات الغاز، والبدء في مشروع إنشاء “مخزون استراتيجي للطوارئ” في عدن، مؤكدة أن أزمة الغاز لم تعد مجرد اختناق تمويني، بل قضية أمن معيشي وقومي للمواطن لا يمكن التهاون فيها.
