في مأساة إنسانية صامتة تستمر في حصد الأرواح حتى في أوقات الهدوء النسبي، كشفت أحدث التقارير الاستراتيجية عن حصيلة مرعبة لضحايا الألغام في اليمن، حيث تحولت مسارات الحياة اليومية إلى حقول للموت بانتظار خطوات الأبرياء.
ووفقاً لتقرير استراتيجي حديث وشامل أصدره “مركز المخا للدراسات الاستراتيجية” تحت عنوان يحمل دلالات عميقة «القاتل المخفي»، دفع المدنيون في اليمن فاتورة باهظة بلغت نحو 12 ألف مدني بين قتيل وجريح ومُعاق خلال السنوات العشر الماضية. والمفزع في الأمر، أن هذه الحصيلة الموثقة لا تمثل سوى “الحد الأدنى” الفعلي للضحايا، في ظل استحالة الوصول إلى مناطق واسعة ومعزولة لا تزال تعاني من تلوث شديد بالألغام.
اقرأ أيضا: “شريف”: لقاء السيسي وحفتر يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة المصرية الليبية
الموت يتسلل إلى القرى والمزارع
لم تعد جبهات القتال هي النقطة الحمراء الوحيدة على خارطة الخطر. فقد أكد التقرير أن هذه العبوات القاتلة تسللت خلسة لتستوطن الأحياء السكنية المكتظة، والمزارع الخصبة، والطرق الريفية، بل ووصلت إلى مجاري السيول ومنابع المياه النقية. هذا الانتشار العشوائي جعل من المدنيين العُزل — وعلى رأسهم الأطفال الباحثون عن مساحات للعب، والنساء، والمزارعون، ورعاة الأغنام — الفريسة الأسهل لهذا الفخ المميت، مما أسفر عن إصابات بالغة وتشوهات وإعاقات دائمة غيّرت مسار حياة الآلاف.
ويشير التقرير بأصابع الاتهام مباشرة إلى مليشيا الحوثي، التي تعمدت منذ انقلابها في سبتمبر 2014 استخدام استراتيجية “الأرض المفخخة”. حيث قامت المليشيات بزرع الألغام بصورة عشوائية ومموهة، وبأشكال تتطابق مع طبيعة الأرض والصخور بل وحتى الألعاب، والأخطر من ذلك هو امتناعها التام عن تسليم أي خرائط تحدد مواقع هذه الحقول، مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية وجعل مهمة فرق النزع أشبه بالسير في حقل من الأشواك المعتمة.
«مسام».. بارقة أمل وتضحيات جسيمة
وفي خضم هذا الواقع المظلم، يقف المشروع السعودي لنزع الألغام «مسام» كحائط صد أخير لحماية أرواح اليمنيين. فقد كشف التقرير عن إنجازات استثنائية حققها المشروع منذ انطلاقته الأولى في عام 2018 وحتى نهاية يوليو 2026.
بلغة الأرقام التي تعكس حجم المأساة والجهد معاً، نجحت فرق “مسام” في انتزاع 578,226 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة. وتمكنت من إعادة النبض وتطهير مساحة شاسعة تجاوزت 83.7 مليون متر مربع من الأراضي اليمنية، لتصبح آمنة لعودة الحياة.
وتوزعت حصيلة ما تم انتزاعه لتعكس تنوع أدوات الموت، حيث شملت:
409,726 ذخيرة غير منفجرة.
152,285 لغماً مضاداً للدبابات.
8,611 عبوة ناسفة مبتكرة ومموهة.
7,604 ألغام مضادة للأفراد (المحرمة دولياً).
اقرأ أيضا: ترامب: المفاوضات مع إيران قد تُستأنف “في مرحلة ما”
وتيرة العمل لم تهدأ، ففي شهر يوليو الماضي وحده، استخرجت الفرق 7,101 قطعة متفجرة، وطهرت حوالي 1.6 مليون متر مربع، بمعدل يومي يقارب 229 لغماً وذخيرة يتم إبطال مفعولها.
إلا أن هذه الإنجازات مُهرت بالدماء، حيث وثق التقرير استشهاد 32 من أبطال المشروع الميدانيين، من بينهم خمسة خبراء أجانب، لقوا حتفهم وهم يفتدون المدنيين بأرواحهم أثناء عمليات التطهير، مما يؤكد حجم الخطر اليومي المحدق بفرق النزع.
تكتيكات الموت وإعادة التلغيم
وفي تصريح يجسد تعقيدات الأزمة، أوضح أسامة القصيبي، مدير عام مشروع «مسام»، أن الغياب المتعمد لخرائط الألغام يجبر الفرق الهندسية على العمل وفق استراتيجية “البحث الأعمى”، حيث يضطرون لمسح مناطق التلوث وبناء قواعد بيانات جغرافية جديدة كلياً بناءً على ما تكتشفه أجهزتهم على الأرض.
وحذر القصيبي من تكتيكات خبيثة تتمثل في تركيز التلغيم في الممرات الحيوية، والمزارع، ومصادر المياه—وهي الشرايين الرئيسية لحياة السكان. كما لفت الانتباه إلى جريمة أخرى، تتمثل في قيام الأطراف بإعادة تلغيم بعض المناطق التي سبق وتم تطهيرها بشق الأنفس، وذلك بمجرد تغير موازين السيطرة العسكرية.
تداعيات تتجاوز لغة الدم
ويخلص التقرير إلى تحذير شديد اللهجة: الألغام في اليمن ليست مجرد آلة للقتل الجسدي، بل هي أداة لقتل المستقبل. فتداعياتها أدت إلى شلل شبه تام في النشاط الزراعي، وعرقلت حرية التنقل، وحالت دون عودة مئات الآلاف من النازحين إلى ديارهم، فضلاً عن رفعها التكلفة الاقتصادية لأي عملية إعادة إعمار مرتقبة.
ودعا التقرير في توصياته الختامية المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى تكثيف دعم عمليات نزع الألغام، وتوفير أحدث التقنيات للفرق العاملة، وتوسيع برامج التوعية المجتمعية والتوثيق، لضمان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح اليمنيين وتوفير بيئة آمنة تضمن لهم العودة إلى حياة طبيعية خالية من الخوف.
اقرأ أيضا: استطلاع للقناة 14 اليمينية: تصدر لنتنياهو واليمين المتطرف في الانتخابات المقبلة
