تواجه السعودية اختبارًا جديدًا في الملف اليمني، مع انتقال التصعيد الحوثي من حدود المواجهة داخل اليمن إلى استهداف الأراضي السعودية وتهديد السفن والملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بالتزامن مع تحولات إقليمية واسعة أعادت جماعة الحوثي إلى صدارة الحسابات الأمنية في الرياض والمنطقة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى قدرة الاستراتيجية السعودية القائمة على احتواء الأزمة اليمنية ومنع تحولها إلى حرب مفتوحة، وما إذا كانت الضغوط المتزايدة قد تدفع الرياض إلى إعادة صياغة مقاربتها، ليس بالضرورة عبر العودة إلى التدخل العسكري المباشر كما حدث عام 2015، وإنما من خلال دعم القوات الحكومية اليمنية للاضطلاع بالعبء الرئيسي في أي مواجهة مقبلة.
اقرأ أيضا: إعلام إسرائيلي يبرز صلات مرشحة لرئاسة الأمم المتحدة بـ”إسرائيل”
وبحسب قراءة نشرتها صحيفة «الاستقلال»، فإن التحولات الأخيرة تشير إلى أن الحوثيين لم يعودوا يُنظر إليهم في الرياض باعتبارهم طرفًا في نزاع يمني داخلي فحسب، وإنما كجزء من شبكة النفوذ الإيراني التي باتت تهدد بصورة مباشرة أمن السعودية والممرات البحرية ومصالح المنطقة.
من الأزمة اليمنية إلى التهديد الإقليمي
تستند هذه القراءة إلى سلسلة من التطورات التي تصاعدت منذ منتصف يوليو/تموز، بدأت، وفق المادة، بما وصفته باختراق طائرة إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني للأجواء اليمنية، بالتزامن مع إعلان الحوثيين تدشين جسر جوي بين صنعاء وطهران.
وفي 13 يوليو/تموز، استهدفت القوات الحكومية اليمنية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة، بحسب الرواية الواردة في المادة، ما أدى إلى توقف الرحلة الثانية للجسر الجوي، قبل أن تغير الطائرة مسارها إلى مدرج ترابي مستحدث في محافظة الحديدة.
وعقب ذلك، أعلن الحوثيون ما وصفوه بحظر الملاحة البحرية أمام السفن السعودية، قبل أن تتوالى هجمات استهدفت، بحسب التقارير التي تستعرضها المادة، ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب هجمات أخرى على الأراضي والمنشآت النفطية السعودية قالت الرياض إن بعضها انطلق من الأراضي العراقية ونفذته جماعات موالية لإيران.
هذا التسلسل، وفق قراءة «الاستقلال»، دفع التهديد الحوثي إلى مستوى مختلف في الحسابات السعودية، بعدما بات مرتبطًا في الوقت نفسه بأمن الحدود والمنشآت النفطية والممرات البحرية.
تصعيد يضيّق هامش المناورة أمام الرياض
مع تصاعد الهجمات، اتخذت السعودية مواقف أكثر حزمًا، وأعلنت تنفيذ ضربات بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية ضد أهداف تابعة لجماعات موالية لإيران في العراق، بالتوازي مع تأكيدها حقها في الدفاع عن أراضيها ومصالحها.
وفي اليمن، بدأت القوات الحكومية تنفيذ عمليات جوية ضد مواقع للحوثيين ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة في أكثر من جبهة، بالتزامن مع رفع مستويات الجاهزية العسكرية والأمنية في عدد من المحافظات.
وشهدت الأيام الأخيرة كذلك تصعيدًا واسعًا في مأرب وحضرموت وتعز والضالع والساحل الغربي، وصولًا إلى الهجوم الحوثي المكثف على ميناء المخا، الذي تعرض لعشرات الضربات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وفق بيانات وتصريحات حكومية وعسكرية يمنية.
وأدى الهجوم، بحسب مصادر القوات المشتركة والسلطة المحلية ووزارة النقل اليمنية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للميناء ومنشآته المدنية والاقتصادية.
وبذلك، لم يعد التصعيد الحوثي محصورًا في خطوط التماس التقليدية، بل امتد إلى منشآت وممرات بحرية تمس بصورة مباشرة حركة التجارة والإمدادات في البحر الأحمر.
هل حصلت الرياض على دعم أميركي للتحرك؟
وتربط القراءة كذلك بين التحول المحتمل في الموقف السعودي والموقف الأميركي من الحوثيين.
وتستند المادة إلى تقرير نشره موقع «أكسيوس» في 13 يوليو/تموز، أفاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الضوء الأخضر لتنفيذ عملية عسكرية ضد الحوثيين.
وبحسب التقرير الذي تستند إليه المادة، جاء ذلك بعد طلب سعودي للحصول على دعم واشنطن في حال توسع الصراع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الرياض اتخذت قرارًا بالعودة إلى حرب شاملة، لكنه، وفق القراءة المطروحة، يعكس اتساع هامش الخيارات أمامها في التعامل مع الحوثيين، خصوصًا في ظل تزامن التصعيد اليمني مع المواجهة الأميركية مع إيران.
وهنا تبرز معادلة مختلفة عن السنوات السابقة: فالحوثيون باتوا جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، فيما أصبحت قدراتهم الصاروخية والمسيّرة والبحرية مرتبطة بصورة مباشرة بأمن السعودية والممرات التجارية الدولية.
لماذا لن تكون مواجهة 2026 نسخة من حرب 2015؟
حتى إذا قررت الرياض الانتقال إلى مرحلة أكثر حزمًا، فإن تكرار نموذج التدخل العسكري الذي بدأ عام 2015 يبدو، وفق التحليل المطروح، أقل احتمالًا.
فالواقع اليمني اليوم أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل أكثر من عقد، مع تعدد القوى العسكرية والسياسية، من الحوثيين والحكومة اليمنية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التي يقودها طارق صالح، فضلًا عن اختلاف المصالح الإقليمية والدولية داخل الساحة اليمنية.
كما تغيرت أولويات السعودية نفسها.
فإلى جانب دعم الحكومة اليمنية، أصبحت حماية الحدود الجنوبية وتأمين البحر الأحمر وباب المندب ومنع ترسيخ قدرات عسكرية مرتبطة بإيران بالقرب من أراضيها، وحماية منشآت الطاقة وسلاسل التجارة، عناصر أساسية في حسابات الرياض.
وفي المقابل، تدرك السعودية أن الانخراط المباشر في حرب واسعة قد يفرض تكاليف سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، خصوصًا في ظل تركيزها على تنفيذ مشاريع «رؤية 2030» وترسيخ موقع المملكة كمركز إقليمي للاستثمار والأعمال والسياحة.
ولهذا، فإن أي استراتيجية جديدة قد تبحث عن تحقيق الأهداف الأمنية السعودية دون تحمل العبء الكامل لحرب مباشرة طويلة.
معركة يمنية بدعم سعودي؟
أحد السيناريوهات التي تطرحها المادة يتمثل في دعم عملية عسكرية تقودها القوات الحكومية اليمنية، مع توفير السعودية الغطاء السياسي والدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري عند الحاجة، بدلًا من إرسال قوات سعودية للانخراط بصورة مباشرة في العمليات البرية.
ويكتسب هذا التصور أهمية في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة داخل معسكر الحكومة اليمنية، ورفع الجاهزية في عدد من المحافظات، وتكثيف الضربات ضد مواقع الحوثيين، إلى جانب تصريحات لمسؤولين عسكريين وسياسيين بشأن الاستعداد لمواجهة الجماعة واستعادة مؤسسات الدولة.
اقرأ أيضا: إيران تصعّد بشأن مضيق هرمز: الحصار البحري «عمل عدواني» والمفاوضات مع عُمان مستمرة
وفي مثل هذا السيناريو، يمكن أن يبقى العبء القتالي الأساسي على القوات اليمنية، بينما تقدم السعودية وشركاؤها الدعم والإسناد، بالتوازي مع تحرك دولي لحماية الملاحة البحرية ومنع توسع التهديد خارج اليمن.
لكن نجاح هذا الخيار لن يكون مضمونًا لمجرد توفر الدعم الخارجي؛ إذ سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة القوى المناهضة للحوثيين على توحيد القرار السياسي والعسكري، وتنسيق عملياتها، وتحويل الدعم الإقليمي إلى قدرة ميدانية مستدامة.
ا
لهدف أبعد من وقف الهجمات
وإذا اتجهت السعودية نحو استراتيجية أكثر نشاطًا في اليمن، فإن أهدافها لن تقتصر بالضرورة على وقف الهجمات الحوثية ضد أراضيها.
فالملف، وفق القراءة التي تستعرضها «الاستقلال»، يرتبط أيضًا بتقليص النفوذ الإيراني، وتأمين باب المندب والبحر الأحمر، وحماية حركة التجارة والطاقة، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد السفن.
ويزداد هذا البعد أهمية مع تصاعد المخاطر التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وظهور ترتيبات إقليمية ودولية لتعزيز حماية الممرات البحرية.
وبذلك، يصبح التعامل مع الحوثيين جزءًا من منظومة أمنية أوسع تتجاوز حدود اليمن لتشمل أمن الطاقة والتجارة الدولية والممرات البحرية.
بين كلفة الحرب وكلفة بقاء الحوثيين
وتجد الرياض نفسها أمام معادلة دقيقة. فاستمرار الهجمات الحوثية على أراضيها، إلى جانب تهديد السفن والممرات البحرية، يرفع كلفة سياسة الاحتواء ويضيق هامش المناورة أمامها.
لكن العودة إلى حرب سعودية مباشرة تحمل في المقابل مخاطر كبيرة، وقد تعيد فتح جبهة واسعة يصعب التحكم في مسارها أو مدتها.
ولهذا تبدو فكرة دعم القوات اليمنية للقيام بالدور القتالي الرئيسي، مع توفير الدعم السعودي والإقليمي والدولي، أحد الخيارات التي يمكن أن تمنح الرياض مساحة أوسع للمناورة، وتقلل في الوقت ذاته من تكلفة الانخراط المباشر.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرتبطًا بقدرة الحكومة اليمنية والقوات المسلحة على تقديم جبهة أكثر تماسكًا، وتوحيد القرار العسكري والسياسي، وتحويل التحولات الإقليمية الحالية إلى مكاسب ميدانية حقيقية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه التطورات الأخيرة لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحرب في اليمن ستعود إلى الواجهة، بل بطبيعة الحرب المقبلة إن اندلعت، ومن سيتولى قيادتها، وما حجم الدور السعودي فيها، وما إذا كانت القوات الحكومية اليمنية قادرة على تحمل العبء الرئيسي للمواجهة.
فبينما تحاول الرياض تجنب كلفة حرب مباشرة جديدة، يواصل الحوثيون رفع مستوى التهديد على الحدود السعودية والممرات البحرية، ما يجعل بقاء الوضع على حاله أكثر صعوبة، ويدفع نحو إعادة تقييم الخيارات السعودية في اليمن، وإن كان من المبكر الجزم بأن ذلك يعني قرارًا بالعودة إلى حرب شاملة.
اقرأ أيضا: فان دايك يعلق على الشراكة الدفاعية مع أراوخو
