العفو العام يمرّ : أحمد الأسير باق الى حين… تسوية تفتح أبواب السجون ولا تنهي الخلافات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بعد جلسة تشريعية صاخبة امتدت تداعياتها من يوم الثلثاء ، أقرّ مجلس النواب اقتراح قانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات بصورة استثنائية، في خطوة حملت أبعاداً سياسية وقضائية وأمنية تتجاوز النص التشريعي نفسه. وجاء إقرار القانون بعد مفاوضات واتصالات مكثفة نجحت في تفكيك العقد التي كادت تعيد الملف إلى دائرة التعطيل، فيما بقي الخلاف حول كلمة وزير الدفاع ميشال منسى حاضراً، وانتهى بانسحاب نواب “التيار الوطني الحر” وكتلة “حزب الله” من الجلسة.

اقرأ أيضا: موعد أذان المغرب اليوم الأربعاء 12- 8 -2026 في القاهرة والمحافظات

 

وبالتوازي، أقر المجلس مشروع القانون الوارد بالمرسوم الرقم 6503 المتعلق بتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، كما عدّلته لجنة المال والموازنة مع الأخذ ببعض التعديلات التي اقترحها وزير المالية، قبل أن يرفع رئيس المجلس نبيه بري الجلسة.

 

العفو العام… تسوية سياسية أكثر منه مجرد نص قضائي

 

أهم ما أنتجته جلسة اليوم هو إقرار قانون العفو العام بصيغته المعدّلة. وقد جرى التصويت عليه بالمناداة، بعد أن استغرقت المفاوضات حوله وقتاً طويلاً، ولا سيما في ما يتصل بحدود المستفيدين منه وآليات إخلاء السبيل والحق الخاص والمحاكمة خارج السجن.

 

وأدخلت الهيئة العامة تعديلات أساسية على الصيغة التي خرجت من اللجان المشتركة، أبرزها خفض شرط إخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة سجنية، وحذف كلمة “مبرم” من المادة المعنية. وبذلك أصبح المعيار مرتبطاً بعدم صدور أي حكم بحق الموقوف، بدلاً من حصر الاستفادة بمن لم يصدر بحقه حكم مبرم.

 

كما خُفّضت عقوبة المؤبد إلى 12 سنة فعلية، بما يعادل 14 سنة سجنية وفق طريقة احتساب السنة السجنية، فيما طالت التعديلات حالات أخرى من المحكومين والموقوفين، بما يفتح الباب أمام الإفراج عن عدد من السجناء الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان.

 

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء واقع السجون اللبنانية. فالأرقام المتداولة تشير إلى وجود أكثر من خمسة آلاف موقوف ومحكوم، في ظل اكتظاظ كبير، فيما بقيت ملفات عدد من الموقوفين عالقة لسنوات من دون محاكمات نهائية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القانون بوصفه محاولة لمعالجة أزمة مزمنة في منظومة العدالة والسجون، وليس فقط تسوية لملفات سياسية وأمنية عالقة.

 

لكن القانون، في المقابل، لم يخرج من رحم نقاش قانوني صرف. فكما قال نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، فإن العفو “اتفقنا عليه بالسياسة لطي صفحة”، وهي عبارة تختصر إلى حد كبير طبيعة التسوية التي أنتجت النص النهائي.

 

من ملف الموقوفين الإسلاميين إلى أحمد الأسير

 

أحد أبرز أوجه القانون سيظهر في ملف الموقوفين الإسلاميين. وبحسب ما أعلنه النائب عماد الحوت، فإن 79 موقوفاً إسلامياً من أصل 146 سيستفيدون من القانون ويخرجون من السجون بعد نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيّز التنفيذ.

 

أما ملف الشيخ أحمد الأسير، فيبقى أكثر تعقيداً. فالإفادة المباشرة من تخفيض العقوبات لا تعني خروجه فوراً، نظراً إلى طبيعة الحكم الصادر بحقه والتعديلات التي أدخلت على النص خلال المفاوضات. ولذلك تتجه الأنظار إلى المحكمة العسكرية وإلى إمكان إعادة النظر في العقوبة ضمن الأطر القانونية المتاحة.

 

وفي هذا السياق، تحدث النائب نبيل بدر عن إمكان العمل على خفض عقوبة الأسير من المؤبد إلى عقوبة أدنى، بما قد يتيح له الاستفادة بصورة أكبر من التخفيضات الجديدة. أما وفق المعطيات التي رافقت المفاوضات، فإن خروجه وفق العقوبة الحالية سيكون في مرحلة لاحقة، مع تداول موعد في منتصف أيار 2028.

 

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في القانون: فهو لم يقدّم عفواً شاملاً بالمعنى التقليدي، بل أقام شبكة من الاستثناءات والتخفيضات والشروط التي جعلت الاستفادة متفاوتة من ملف إلى آخر، وهو ما يفسّر الاعتراضات التي صدرت من نواب رأوا فيه قانوناً غير متوازن.

 

رفع المظلومية في مقابل الخشية من تسييس العدالة

 

سياسياً، قرأ مؤيدو القانون إقراره باعتباره إغلاقاً لمرحلة طويلة من التوتر، خصوصاً في البيئة السنية التي كان ملف الموقوفين الإسلاميين أحد أكثر الملفات حساسية فيها.

 

وقال النائب بلال عبد الله إن إقرار العفو يطوي “صفحة سياسية كان فيها مكوّن لبناني مستهدفاً”، فيما شدد بو صعب على أن الحكومة مسؤولة عن رفع الظلم، بما في ذلك من خلال إعادة المحاكمات وتصحيح ما يعتبره البعض تمييزاً في مسار العدالة.

 

في المقابل، لم تغب الاعتراضات. فالنائب غازي زعيتر وصف القانون بأنه “غير متوازن” وقائم على الاستثناءات والطائفية والمذهبية، فيما رأى النائب إلياس حنكش أن العفو العام ليس شأناً قضائياً فقط بل “قرار سياسي”، محذراً من أن يؤدي الجمع بين المظلوم والمرتكب إلى إضعاف مفهوم العدالة.

 

وهذه النقطة هي جوهر الجدل الذي سيرافق القانون في المرحلة المقبلة: هل يشكل العفو خطوة نحو عدالة إصلاحية وإقفال ملفات عمرها سنوات، أم أنه يعزز الانطباع بأن بعض الملفات لا تُحسم في قاعات المحاكم بل على طاولة التسويات السياسية؟

 

الإجابة لن تكون في جلسة الإقرار، بل في كيفية تطبيق القانون، وفي قدرة القضاء على التمييز بين الحالات المختلفة، ومنع تحول الاستثناء إلى قاعدة.

 

وزير الدفاع… الخلاف الذي بقي أكبر من القانون

 

إقرار العفو لم يلغِ الأزمة السياسية التي رافقت الملف منذ أمس. فقد حضر وزير الدفاع ميشال منسى إلى البرلمان، وكانت بحوزته كلمة كان يريد إلقاءها حول القانون وموقف المؤسسة العسكرية منه. إلا أن الخلاف مع رئيس الحكومة نواف سلام حول حقه في الكلام لم يُحسم، لينتهي الأمر بعدم دخوله إلى الجلسة وانسحاب نواب “التيار الوطني الحر” ولاحقاً كتلة “الوفاء للمقاومة.

 

وكان سلام قد تمسك بأن رئيس الحكومة هو الذي يمثل الحكومة ويتحدث باسمها، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور، فيما اعتبر معارضوه أن وزير الدفاع، في هذه الحالة، لا يتحدث باسم الحكومة بل ينقل موقف المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن اقتراح قانون العفو لم يكن مشروع قانون محالاً من الحكومة.

 

اقرأ أيضا: النيابة العامة المصرية تكشف أسباب حادث تصادم الدواويس بالإسماعيلية

وهنا تحوّل الخلاف من مسألة إجرائية إلى سجال دستوري وسياسي حول حدود التضامن الوزاري، ودور الوزير داخل مجلس النواب، وما إذا كان من حقه أن ينقل موقف مؤسسته في ملف يمس مباشرة الأمن والعسكريين وحقوق الشهداء.

 

وقد أعطى انسحاب “التيار” و”الوفاء للمقاومة” هذا الخلاف بعداً إضافياً، خصوصاً أن القانون أُقر رغم الغياب، ما يعني أن القوى السياسية التي اعترضت على طريقة إدارة الجلسة لم تستطع منع المسار التشريعي من الاستمرار.

 

وبذلك بقيت صورة الجلسة مزدوجة: تسوية سياسية نجحت في تمرير العفو، وخلاف سياسي لم تنجح التسوية نفسها في إنهائه.

 

بين العفو وإصلاح المصارف… انتقال إلى ملف أكثر حساسية

 

بعد حسم العفو، انتقل المجلس إلى مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، وهو الملف الذي يُفترض أن يشكل إحدى حلقات المسار الإصلاحي المرتبط بمفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي.

 

لكن النقاش أظهر سريعاً أن المعركة المقبلة لن تكون أقل صعوبة. فقد طالب النائب إبراهيم كنعان بإجراء تدقيق في موجودات المصارف في لبنان والخارج، وكذلك في موجودات الدولة، لمعرفة الإمكانات الفعلية قبل الدخول في توزيع الخسائر أو البحث في كيفية استرداد الودائع.

 

كما أشار إلى وجود ثغرات تحول دون تطبيق قانون الفجوة المالية بصيغته الحالية، في وقت تعيد لجنة وزارية النظر فيه.

 

وهذا يعني أن مجلس النواب أنهى اليوم واحداً من أكثر الملفات السياسية حساسية، لكنه انتقل مباشرة إلى ملف مالي قد يكون أكثر تعقيداً، لأن الخلاف فيه لا يتعلق فقط بمصير سجناء أو بطي صفحة سياسية، بل بتحديد المسؤوليات عن الانهيار المالي وتوزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمصرف المركزي والمودعين.

جلسة اليوم تؤكد: التسويات ممكنة… لكن الخلافات لم تنتهِ

 

في المحصلة، أظهرت الجلسة أن القوى السياسية اللبنانية ما زالت قادرة على إنتاج تسويات عندما تتوافر الإرادة السياسية، لكن هذه التسويات لا تلغي الخلافات بل تنقلها إلى مراحل لاحقة.

 

فالعفو العام أُقرّ بعد مفاوضات طويلة، وتمكن النواب من الوصول إلى صيغة تراعي جزءاً من المطالب المتعلقة بالموقوفين والاكتظاظ، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام اعتراضات تتصل بالعدالة والمساواة أمام القانون.

 

أما الخلاف حول وزير الدفاع، فقد كشف بدوره عن أزمة أعمق تتصل بعلاقة الحكومة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، وبحدود الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية، في وقت تحاول الدولة تثبيت صورة أكثر وضوحاً لمفهوم القرار المؤسساتي.

 

والاختبار الحقيقي يبدأ الآن: من لحظة نشر القانون في الجريدة الرسمية، ستنتقل المعركة من البرلمان إلى القضاء والسجون والمؤسسات التنفيذية. وهناك تحديداً سيتبين ما إذا كان العفو خطوة لإقفال ملفات سياسية وقضائية مزمنة، أم مجرد تسوية جديدة تؤجل الأسئلة الأكثر صعوبة حول العدالة والمحاسبة والدولة.

اقرأ أيضا: التنمية المحلية: إنهاء 418 معاملة متأخرة للمواطنين وضبط 54 عقارًا مخالفًا خلال حملات بالقاهرة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً