iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
بعدما تحولت الأراضي العراقية إلى مصدر لهجمات بالمسيّرات استهدفت السعودية واستدعت ردوداً عسكرية داخل العراق، تتجه بغداد إلى إعادة رسم خريطة الانتشار الأمني في البادية الممتدة في محافظة المثنى وصولاً إلى الحدود مع السعودية والكويت، وهي واحدة من أكثر مناطقها صعوبة في المراقبة.
اقرأ أيضا: حرب إيران تدفع قوة أميركا إلى التراجع عالمياً؟
ويأتي استحداث “قيادة عمليات البادية” ضمن مسار لتشديد السيطرة على الأراضي والأجواء العراقية ومنع الفصائل العراقية المسلحة من استغلال المساحات الصحراوية في نقل الأسلحة والمعدات أو تجهيز المسيّرات وإطلاقها، في ملف بات يتجاوز أمن الحدود إلى السيادة العراقية والعلاقات مع دول الجوار.
وكانت الحكومة العراقية قد أكدت رفضها استخدام أراضي البلاد أو أجوائها للاعتداء على دول أخرى، مع رفع جاهزية الأجهزة الأمنية وتعزيز التنسيق بينها لمنع أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة.
من الصحراء إلى منصات المسيّرات
تكتسب “قيادة عمليات البادية” أهمية كبيرة بسبب طبيعة المنطقة التي ستعمل فيها. فبادية المثنى شاسعة وقليلة الكثافة السكانية، وتمتد نحو الحدود الجنوبية والغربية، ما يجعل مراقبتها بالانتشار الأرضي التقليدي مهمة شديدة الصعوبة.
وبحسب مصادر عسكرية عراقية تحدثت لـ”النهار”، فإن استحداث القيادة “لا يقتصر على تعزيز نقاط الانتشار أو تكثيف الدوريات، بل يهدف إلى بناء منظومة متكاملة للمراقبة والاستطلاع والسيطرة على المساحات الصحراوية”.
وتشمل المخاطر، وفق المصادر، استخدام المناطق النائية للتحرك بعيداً من أنظار الأجهزة الأمنية، وإخفاء الأسلحة والمعدات والمواد اللوجستية، فضلاً عن إنشاء نقاط موقتة للتحضير لعمليات عسكرية أو إطلاق طائرات مسيّرة.
لذلك، تتجه الخطة إلى دمج الاستطلاع الجوي بالمعلومات الاستخبارية والمراقبة الميدانية، بما يسمح بتتبع التحركات المشبوهة ورصد طرق نقل الأسلحة والمعدات في المناطق النائية.
وسبق للأجهزة الأمنية في المثنى أن نفذت عمليات استطلاع جوي ومراقبة للمناطق الصحراوية الممتدة باتجاه النجف، بهدف رصد التحركات والطرق التي يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة.
شبكات لوجستية في البادية
لكن التحدي الأكثر حساسية يرتبط بالمسيّرات. وتفيد المصادر بأن معلومات استخباراتية تشير إلى استخدام بعض المناطق الصحراوية ضمن شبكات لوجستية مرتبطة بالطائرات المسيّرة، تشمل النقل والتخزين والإخفاء والإعداد والإطلاق.
وهذا يعني أن العثور على نقطة إطلاق لا يقود بالضرورة إلى الجهة التي جهزت المسيّرة أو نقلت معداتها ووفرت الدعم اللوجستي لها، ما يحول البادية إلى ملف أمني واستخباري متعدد المستويات.
وتزايدت حساسية هذا الملف بعد التطورات التي شهدتها العلاقات العراقية-السعودية أواخر تموز/يوليو. ففي 27 تموز/يوليو، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير مسيّرات استهدفت منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض، واتهمت جماعات موالية لإيران في العراق بإطلاقها.
وبعد يومين، انتقل التصعيد إلى داخل العراق، إذ أعلنت الرياض تنفيذ ضربات، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، على أهداف لجماعات مسلحة قالت إنها مرتبطة بالهجمات على منشآتها النفطية.
وهكذا انتقلت القضية من ضبط نشاط الجماعات المسلحة إلى تهديد مباشر للسيادة العراقية، بعدما بات استخدام أراضي البلاد لشن هجمات إقليمية قادراً على استدعاء رد عسكري خارجي.

سد الثغرات
من هذه الزاوية، تمثل “قيادة عمليات البادية” محاولة لسد إحدى أكثر الثغرات الجغرافية هشاشة في منظومة الأمن العراقي، عبر توحيد المسؤولية العملياتية في منطقة كانت تتقاطع فيها مهمات أكثر من جهة أمنية.
اقرأ أيضا: خطوات تسجيل رغبات الثانوية العامة 2026 عبر موقع التنسيق الإلكتروني
ولا تقتصر المهمة على منع التسلل، إذ تشمل مراقبة حركة الأشخاص والعجلات والمعدات، وتعزيز الرصد الجوي، وربط المعلومات الميدانية بالتحقيقات الاستخبارية، وملاحقة النشاطات التي قد تشير إلى التحضير لعمليات مسلحة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في مواجهة الخلايا الصغيرة وفرق تشغيل المسيّرات التي لا تحتاج إلى قواعد ثابتة، ويمكنها استخدام منطقة نائية للإطلاق ثم مغادرتها خلال فترة قصيرة.
ويرى الخبير العسكري اللواء جواد الدهلكي، في حديث لـ”النهار”، أن استحداث القيادة يمثل “خطوة أمنية وعسكرية مهمة”، لأن السيطرة على المساحات الصحراوية تتطلب قدرات استخبارية ومراقبة متقدمة تتجاوز الدوريات ونقاط التفتيش.
ويشير إلى أن هذه المناطق قد تستخدم لإخفاء المعدات والمواد اللوجستية المرتبطة بالمسيّرات، وأن القيادة الجديدة يمكن أن تسهم في “سد الثغرات الجغرافية والأمنية” ومنع تحويل المناطق النائية إلى نقاط تجمع أو إعداد وإطلاق.
ويربط الدهلكي المهمة مباشرة بالسيادة العراقية، محذراً من أن استخدام أراضي العراق لمهاجمة دول أخرى قد يعرّض البلاد لردود عسكرية خارجية ويفتح الباب أمام مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية أوسع.
اختبار السيطرة على الأرض
يتجاوز القرار إذاً إعادة توزيع المسؤوليات العسكرية. فالعراق، الذي تعهدت حكومته بمنع استخدام أراضيه في هجمات على دول أخرى، بات أمام اختبار ميداني لقدرته على فرض هذا التعهد على مساحات يصعب مراقبتها.
وتزداد أهمية الخطوة مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، بالتوازي مع توجه الحكومة إلى حصر السلاح والقرار الأمني بمؤسسات الدولة.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد أعلن في تموز/يوليو أن القوات العراقية قادرة على حماية البلاد، وأنه بعد 30 أيلول/سبتمبر “لا حاجة لوجود أي فصائل مسلحة”، مؤكداً عدم السماح لأي جهة بحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وبذلك، تصبح “قيادة عمليات البادية” جزءاً من اختبار أكبر. قدرة بغداد على الانتقال من إعلان حصر السلاح إلى السيطرة الفعلية على الأرض، وقطع شبكات النقل والإمداد والإطلاق التي قد تستخدمها جماعات مسلحة لجر العراق مجدداً إلى مواجهة إقليمية.
اقرأ أيضا: تفاصيل إنشاء وحدة لتلقي طلبات الحصول على المعلومات والرد عليها وفق مشروع القانون
