iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
لم تكن الحرب على إيران خبراً جيوسياسياً عابراً بالنسبة إلى قطاع السياحة في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع المواجهة في 28 شباط/فبراير 2026، وجد واحد من أهم مراكز الطيران والسياحة في العالم نفسه أمام إغلاقات للمجال الجوي، وإلغاء آلاف الرحلات، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع ثقة المسافرين. ومع ذلك، تكشف أحدث التقديرات أن الضربة، على قسوتها، لم تنسف قصة النمو السياحي العربية، بل أحدثت انكماشاً حاداً ومؤقتاً، تتفاوت آثاره بشدة بين دولة وأخرى.
اقرأ أيضا: نقابة الأطباء تنعى 3 أطباء وعدد من ذوي أعضائها
عالمياً، يتوقع المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) أن تبلغ مساهمة القطاع في الاقتصاد نحو 12 تريليون دولار في 2026، أي 9.9% من الناتج العالمي، مع دعمه لنحو 376 مليون وظيفة. وعلى مدى العقد المقبل، يتوقع أن ينمو اقتصاد السفر والسياحة بمعدل سنوي 3.6%، مقابل 2.4% للاقتصاد العالمي، أي أسرع بنحو مرة ونصف.
الصدمة: 85% من رحلات الخليج ألغيت في أسبوع
حجم الاختبار الذي تعرضت له المنطقة يتضح أكثر في بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا”. ففي الأيام السبعة الأولى من آذار/مارس، أُلغي نحو 85% من الرحلات القادمة إلى مطارات الخليج أو المغادرة منها. وحتى نهاية الشهر، كان أقل من نصف الرحلات التي كانت مقررة أصلاً يعمل فعلياً. كما ألغت شركات الطيران قرابة ربع الرحلات المقررة لشهر أيار/مايو مقارنة بجداولها الموضوعة قبل الحرب.
وبحسب “إياتا”، يتجه الطلب على الركاب لدى شركات الشرق الأوسط إلى الانكماش بنحو 11.4% في 2026، نتيجة قيود المجال الجوي وتحول حركة الترانزيت نحو مسارات بديلة. وتكتسب هذه الصدمة وزناً عالمياً لأن الشرق الأوسط يستحوذ على أكثر من 40% من حركة الربط الدولية بين الرحلات، فيما كان نحو ثلث المسافرين بين آسيا والمناطق الأخرى يمرون عبر المنطقة في 2025.
لكن المفارقة أن الصدمة الجوية لم تتحول إلى انهيار كامل للطلب السياحي. فـ”إياتا” تؤكد أن الرغبة الأساسية في السفر لم تنهَر بل تباطأت، فيما لجأت الشركات إلى إعادة رسم الشبكات، وتغيير المسارات، واستيعاب جزء من ارتفاع الوقود في الهوامش بدلاً من تحميله كاملاً للمسافر.
ليس انتصاراً كاملاً: 56 مليار دولار تتبخر
الحديث عن “تجاوز” تداعيات الحرب يحتاج إلى تمهل: أحدث تقديرات WTTC الصادرة في آب/ أغسطس تشير إلى أن الشرق الأوسط سيكون المنطقة الوحيدة عالمياً التي ينكمش فيها الناتج السياحي خلال 2026. ومتوقع تراجع مساهمة السفر والسياحة من نحو 386 مليار دولار في 2025 إلى 330 مليار دولار هذا العام، أي انخفاض 14.5% وخسارة تقارب 56 مليار دولار.
غير أن الصورة تصبح مختلفة عند الانتقال من المعدل الإقليمي إلى الاقتصادات العربية منفردة. فالتقديرات المتداولة حتى 5 أغسطس تضع السعودية في الصدارة عربياً بمساهمة متوقعة تبلغ 163.7 مليار دولار، تليها الإمارات بـ52.9 ملياراً، ثم مصر بـ35.4 ملياراً، والمغرب بـ22 ملياراً. وبعدها العراق بـ16.7 مليار دولار والجزائر بـ16.6 ملياراً، ثم قطر بـ13.6 ملياراً، وتونس بـ9.3 مليارات، والكويت بـ8.8 مليارات، والأردن بـ7.7 مليارات.
هذه الأرقام لا تعني غياب الخسائر، لكنها تظهر أن لدى الاقتصادات العربية الكبيرة قواعد طلب محلية وإقليمية ومصادر سياحية متنوعة أبقت القطاع حجماً اقتصادياً ضخماً رغم الحرب.

اقرأ أيضا: انطلاق قافلة طبية مجانية بقرية الجنابهة بحوش عيسى لتوفير الرعاية الصحية للمواطنين
مناعة رغم الاستهداف
كانت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر تعرضاً للصدمة بسبب موقع دبي وأبوظبي في قلب شبكة الطيران العالمية. ففي 2025، بلغ اقتصاد السفر والسياحة الإماراتي 68.5 مليار دولار، وبلغ إنفاق الزوار الدوليين 56.9 مليار دولار. وبالتالي أصابت الحرب بصورة مباشرة أحد أهم مصادر قوتها: سهولة الوصول والربط العالمي. لكن البنية التحتية التي جعلتها حساسة للصدمة هي نفسها أحد أسباب قوة التعافي المرتقب. فالمجلس العالمي للسفر والسياحة لا يزال يصنف الإمارات، إلى جانب السعودية وعُمان وقطر، بين أبرز قصص النمو السياحي طويلة الأجل في المنطقة.
خارج الخليج، جاءت الصدمة بصورة أقل مباشرة: أدى اضطراب المسارات الجوية والمخاوف الأمنية في الخليج والمشرق إلى إعادة توزيع جزء من الطلب نحو وجهات عربية أبعد نسبياً من ساحات المواجهة. ويبرز هنا اقتصادان كبيران: مصر والمغرب. فمصر، بمزيجها من السياحة الشاطئية والثقافية والدينية والرحلات منخفضة الكلفة من أوروبا، تمتلك قدرة أكبر على استقبال طلب يتحول بعيداً من المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر. وكان المجلس العالمي للسفر والسياحة قد وصف مصر في ايار/مايو بأنها نموذج على قدرة الوجهات السياحية على التعافي سريعاً بعد الأزمات المتتالية.
الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، ينطبق على المغرب وتونس، حيث تسمح الروابط المباشرة مع الأسواق الأوروبية بجذب المسافر الذي يريد وجهة متوسطية أو عربية من دون المرور بمراكز الطيران الواقعة بالقرب من مناطق التوتر.
من الطلب إلى “إدارة المخاطر”
أحد أهم التحولات التي فرضتها حرب إيران هو أن السؤال أمام المستثمر السياحي لم يعد: هل توجد رغبة في السفر؟ بل: هل يستطيع المسافر الوصول، وبأي كلفة، وبأي درجة من اليقين؟
فالشرق الأوسط يتعامل اليوم مع أزمة عرض واتصال بقدر ما يتعامل مع أزمة طلب. ارتفاع الوقود، وإطالة مسارات الرحلات، وإغلاق أو تقييد بعض الأجواء، كلها ترفع كلفة المقعد الجوي. ومع ذلك، تظهر بيانات “إياتا” أن شركات الطيران أزالت نحو 3% فقط من الطاقة المخطط لها بين يونيو وأغسطس مقارنة بالجداول الموضوعة قبل اندلاع الحرب، بعدما كانت التخفيضات في الأسابيع الأولى أضعاف ذلك. وهذا يعطي مؤشراً على عودة قدر من القدرة التشغيلية رغم استمرار المخاطر.
لهذا السبب، تبدو 2026 أقرب إلى كسر في المسار وليس تغييراً في الاتجاه. فالمجلس العالمي للسفر والسياحة يتوقع، رغم انكماش هذا العام، أن يصبح الشرق الأوسط أسرع مناطق العالم نمواً في اقتصاد السياحة بين 2026 و2036، بمعدل سنوي يبلغ 6.3%، ليصل الناتج السياحي الإقليمي إلى نحو 605 مليارات دولار في 2036.
اقرأ أيضا: كولومبيا تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان… ما سرّ الانقلاب على سياسة بيترو؟
