التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي في لبنان: كيف تُصنع الروايات في زمن الحرب؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لا تقتصر الحرب النفسية على نشر الشائعات العشوائية، بل تعتمد على هندسة روايات متكاملة مصممة خصيصاً لمخاطبة بيئات سياسية واجتماعية في ظروف حساسة، عن طريق الإغراق الممنهج للفضاء الرقمي بالقصص والأرقام المزيفة بهدف توجيه الرأي العام هنا أو هناك نحو مواقف محددة. والحروب التي نشهدها اليوم باتت تطل برأسها من الشاشات الصغيرة، عبر صورة تتدفق في مجموعات تطبيق واتساب، أو مقطع فيديو قصير يُروَّج له كدليل دامغ على واقعة لم تحدث قط. وفي خضم حالات الخوف واللهفة والقلق، تتحول المعلومة المزيفة إلى أداة شديدة التأثير توجه سلوكيات العامة وتتحكم بقراراتهم. 

اقرأ أيضا: الموضة في مواجهة الخوارزميات: كيف تخدع هذه الملابس كاميرات المراقبة؟

خلال الحرب الأخيرة على لبنان، سار تدفق المعلومات جنباً إلى جنب مع الواقع الأمني المشحون، إذ كانت المنصات الرقمية تضج، مع كل غارة أو تصعيد، بصور ومقاطع مرئيّة وتسجيلات صوتية بعناوين “عاجلة”، تباينت حقيقتها بين ما هو صحيح، وما هو مجتزأ خارج سياقه، وما هو مصطنع بالكامل. وعلى الرغم من أن التضليل ظاهرة قديمة تاريخياً في النزاعات، فإنه ارتدى حلة مغايرة كلياً مع بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالتقنيات التي كانت تتطلب يوماً خبرات برمجية وعمليات معقدة لإنتاج محتوى زائف، أضحت اليوم في متناول قاعدة واسعة من المستخدمين، وبكبسة زر.

عندما تصبح الحقيقة نفسها موضع شك

المشكلة لم تعد فقط في انتشار معلومة خاطئة، بل في القدرة على صناعة رواية متكاملة حول حدث ما، ثم نشرها بسرعة تجعل تصحيحها أكثر صعوبة. ففي بيئة الحرب، حيث يبحث الناس عن إجابات فورية وسط الغموض والخوف، تصبح الروايات الجاهزة أكثر قدرة على الانتشار من المعلومات التي تحتاج إلى وقت للتحقق.

وفي هذا الإطار، أشارت ورقة سياسات صادرة عن معهد الأمم المتحدة لأبحاث السياسات (UNU-CPR) إلى أن ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ أواخر عام 2022 منح حملات التضليل قدرة أكبر على إنتاج ونشر المحتوى المضلل بسرعة ونطاق غير مسبوقين، ما زاد من مخاطر تأجيج النزاعات والتأثير في الرأي العام، ودفع الباحثين إلى المطالبة بتعزيز التحقق من المعلومات ومحو الأمية الرقمية وتنظيم المنصات الرقمية للحد من هذه الظاهرة.

وعلى أرض الواقع، لم يعد خطر التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي مجرد احتمال مستقبلي، إذ أصبح من بين المخاطر الأكثر حضوراً عالمياً. فقد أظهر تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، الذي صدر في 14 كانون الثاني/ يونيو من العام الحالي، أن المعلومات المضللة والمعلومات الكاذبة جاءت في المرتبة الثانية ضمن أبرز المخاطر العالمية خلال العامين المقبلين، مع استمرار القلق من تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقويض الثقة بالمعلومات. وتزداد خطورة هذه الظاهرة في سياقات النزاعات، حيث تصبح الحاجة إلى المعلومات العاجلة أكبر، بينما تكون قدرة الجمهور على التحقق أقل بسبب الضغط النفسي وتسارع الأحداث. 

من إعادة استخدام الأكاذيب إلى صناعة محتوى جديد

لم يعد التضليل يعتمد فقط على تحريف محتوى موجود، بل أصبح بالإمكان إنتاج محتوى لم يكن موجوداً أصلاً وصعب التمييز أحياناً. صورة لموقع لم يُصوّر، مشهد لم يحدث، صوت لشخص لم يقل الكلام المنسوب إليه، أو فيديو يجمع بين عناصر حقيقية وأخرى مصطنعة، ليصبح السؤال ليس فقط “هل هذه المعلومة صحيحة؟”، بل “هل هذا المحتوى موجود أصلاً؟”.

يشرح مدير البرنامج الإعلامي في SMEX للحقوق الرقميّة، عبد قطايا، أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد مجرد وسيلة لتسريع انتشار الأخبار الكاذبة، بل أصبح أداة لصناعتها. فالذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة نصوص وفق سياقات محددة، وإنتاج مواد موجهة لجمهور معيّن، حتى من خلال استخدام لهجات محلية، سواء كانت لبنانية أو سورية أو غيرها، أو ربط المحتوى ببيئة سياسية واجتماعية محددة. هذا يعني أن التضليل لم يعد بالضرورة عاماً أو عشوائياً، بل يمكن تصميمه ليتناسب مع مخاوف جمهور محدد وطريقة تفكيره.

ويلفت قطايا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على الأخبار المزيفة، بل امتد إلى مجالات أخرى مثل الاحتيال الإلكتروني والتصيد، موضحاً أن هناك أخباراً تنتشر عبر تطبيق واتساب، لا تقتصر على الشائعات فحسب، بل إن الشركات الوهمية تستخدمها لأغراض التصيد والاحتيال.

وقدرة هذه الأدوات على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى خلال وقت قصير تعطي الحملات المضللة قدرة أكبر على الظهور وكأنها رأي عام حقيقي. وفي هذا السياق، يشرح قطايا: “إذا قلت له (للنموذج الذكيّ): اصنع لي خمسمئة منشور أو ألف منشور، بالقدر الذي أريده حول الموضوع نفسه، وكل منشور بشكل مختلف، فسيفعل ذلك”. وهنا تظهر إحدى أخطر نقاط التحول: لم تعد قوة التضليل مرتبطة فقط بصحة الرواية أو ضعفها، بل بقدرة منتجيها على إغراق الفضاء الرقمي بها.

ويعتبر قطايا أن أحد أسباب انتشار هذا النوع من الاستخدامات هو غياب الضوابط الكافية في العديد من الأدوات، مُبيّناً أن “هذه الأدوات لا تزال تفتقر إلى سياسات حازمة، أو حتى إلى ضوابط قادرة على منعها من المساعدة في مثل هذه الأمور”، مشيراً إلى أن بعض الجهات تستخدم الذكاء الاصطناعي للتحايل على آليات ضبط المحتوى في المنصات الرقمية. ويوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على إنتاج المحتوى، بل يستطيع أيضاً تحليل سلوك الجمهور واستخدام تقنيات الإقناع لصناعة رسائل أكثر تأثيراً.

على سبيل المثال، انتشر في 24 آذار/مارس 2026، فيديو زعم الحساب الذي نشره، والذي يتابعه نحو 165 ألف شخص، أنّه يوثّق اشتباكات عنيفة واستهدافاً مباشراً لجنود الاحتلال، وحقق مقطع الفيديو على منصة إنستغرام وحدها نحو 21,200 إعجاب و1,600 تعليق وسط تفاعل كبير.

View this post on Instagram

A post shared by Abdallah Baalbaki (@abdallah_baalbaki2)

وعلى الرغم من أنه غير مولد بالذكاء الاصطناعي تبيّن بعد تتبّع اللقطات والبحث العكسي أنّ المقطع قديم، وكان قد نشر على حساب “القناة 13” الإسرائيلية على منصة “يوتيوب” في 28 كانون الثاني/ يونيو 2024 وغير مرتبط بلبنان بل جرى توظيفه في توقيت حساس.

ولكن في مثال آخر، نشر حساب “إيران اليوم” مقطعاً على منصة “إكس” بتاريخ 7 يونيو/حزيران 2026، مدعياً أن “118 عسكرياً إسرائيلياً قُتلوا في جنوب لبنان وعلى الحدود منذ إعلان وقف إطلاق النار”. 

(لقطة شاشة أُخذت في 6 آب 2026 لتغريدة نُشرت على حساب

وقد حصد المنشور حوالي 41 ألف مشاهدة. لكن في الحقيقة تبيّن أن مقطع الفيديو مفبرك ومولّد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن خلال البحث العكسي اتّضح أنه منشور في الأصل على منصة تيك توك منذ عام 2025. ودعمت هذه النتيجة مؤشرات أخرى، بينها الفحص عبر أداة AI or Not التي رجّحت أن المحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي بنسبة 79%، إلى جانب المراجعة البصرية التي أظهرت تشوّهات وتغيرات غير طبيعية في تفاصيل المشاهد والوجوه. 

وفي الحقيقة هذا النوع من التضليل إن كان الأول أو الثاني قد يؤدي دوراً خطيراً في نفسية الجمهور خلال الحرب، إذ يغذي مشاعر الحماسة والأمل بنقل إنجازات وهمية، ليتحوّل لاحقاً إلى حالة من الإحباط وفقدان الثقة بالمعلومات المتداولة عند انكشاف الحقيقة، وهو ما يشكّل جزءاً أساسياً من استراتيجيات الحرب النفسية المصاحبة للنزاعات.

عندما تسبق الشائعة عملية التحقق

إنتاج المحتوى المضلل لا يكفي وحده لصناعة التأثير. فالتأثير الأكبر يكمن في سرعة الانتشار، والأرقام بالمثلين أعلاه دليل واضح، خصوصاً في لحظات الأزمات التي يصبح فيها الوقت عاملاً حاسماً. في الحرب، لا ينتظر الجمهور دائماً التحقيق الصحفي أو البيان الرسمي. الحاجة إلى المعرفة الفورية تجعل وسائل التواصل مصدراً أساسياً للمعلومات، لكنها في الوقت نفسه تجعل المستخدمين أكثر عرضة لمحتوى غير موثوق. وهنا تواجه المؤسسات الإعلامية مشكلة جوهرية: سرعة انتشار التضليل أكبر من سرعة التحقق منه.

في هذا الإطار توضح رئيسة قسم تشيك بوينت للتحقيقات وتقصّي الحقائق في “النهار” هالة حمصي، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أصبح من أبرز الأنماط التي تُرصد في الأخبار الكاذبة في لبنان، مشيرة إلى أن هذا الاستخدام يتزايد خصوصاً خلال الأحداث الأمنية والسياسية. وتقول: “من خلال متابعتنا، لا يمكننا القول إن هناك نمطاً واحداً مهيمناً، لكن أكثر ما رصدناه هو استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الصور والفيديوهات، وأيضاً في تعديلها لإضفاء المصداقية على معلومات مضللة”.

اقرأ أيضا: من عبد الحليم حافظ إلى أم كلثوم وفاتن حمامة.. ما بقي من بيوت الكبار

وتشير إلى أن الفارق الزمني بين انتشار المحتوى واكتشاف حقيقته يمثل التحدي الأكبر. وتقول: “بالنسبة إلينا، التحدي الأكبر هو أن المحتوى المضلل ينتشر بسرعة تفوق سرعة التحقق منه”. فالصورة أو الفيديو المصنوع بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصل إلى آلاف المستخدمين خلال دقائق، بينما تحتاج عملية التحقق إلى البحث عن المصدر، جمع الأدلة، مقارنة المعلومات، ثم صياغة التصحيح.

لكن المشكلة لا تتعلق فقط بسرعة العمل، بل أيضاً بحدود الأدوات المتاحة. فالكشف عن المحتوى المصطنع لا يزال تحدياً تقنياً، إذ لا تقدم البرامج دائماً إجابات قاطعة. وتوضح حمصي أن بعض الأدوات قد تختلف في تقييم المادة نفسها، لذلك يبقى العنصر البشري أساسياً. وتضيف : “لا توجد لدينا أداة تجمع كل شيء وتعطينا الجواب الحاسم، لذلك نعتمد بشكل ضروري جداً على خبرتنا الصحافية، وعلى تقييمنا وفحصنا للمحتوى”.

وهذا يؤكد أن مواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على امتلاك أدوات تقنية، بل على القدرة على التحقيق في السياق: من نشر المادة أولاً؟ متى ظهرت؟ هل توجد مصادر أخرى تؤكدها؟ وهل تتطابق مع الواقع؟

لماذا يصدق الناس الروايات المضللة؟

إن كانت التقنية تتيح إنتاج المحتوى المضلل، فإن العامل الإنساني يحدد مدى انتشاره. في أوقات الأزمات تحديداً، لا يتعامل الإنسان مع المعلومات كما يفعل في الظروف الطبيعية. فالخوف وعدم اليقين يدفعان إلى البحث عن أي تفسير يمنح شعوراً بالسيطرة على الوضع. هنا يصبح المحتوى المضلل فعّالاً لأنه لا يخاطب العقل فقط، بل يخاطب المشاعر.

وتوضح الاختصاصية النفسية وردة بو ضاهر، هذه المسألة إذ إن الإنسان في حالة الخطر يصبح أكثر استعداداً لتقبّل المعلومات التي تفسر له ما يحدث، بغض النظر عن صحتها. وتقول: “عندما يكون الشخص في حالة الخطر ويشعر بأنه مهدد ويمكن أن يحدث له أي شيء، تلقائياً يفكر بمنطقة الخوف”.

في هذه اللحظة، قد لا يكون السؤال الأول لدى الشخص: “هل هذه المعلومة صحيحة؟”، بل: “هل تساعدني هذه المعلومة على فهم الخطر الذي أواجهه؟” وتضيف بو ضاهر: “لا يستطيع الإنسان أن يفكر منطقياً في هذه الحالة، فحتى لو كان الخبر خاطئاً ولكن يعطينا جواباً في لحظة الخوف، سنصدقه”.

وهذا يفسر لماذا تنتشر بعض الشائعات بسرعة في مثل هذه الأوقات، فهي لا تقدم معلومات فقط، بل تقدم إحساساً مؤقتاً بالفهم وسط حالة من الفوضى. لكن تراكم هذه الروايات قد يؤدي إلى آثار أبعد من تصديق خبر خاطئ، إذ يمكن أن يضعف الثقة بين الناس ويزيد الانقسامات. فمع كثرة الأخبار المتناقضة، يصبح البعض أكثر تشككاً في كل ما يسمعه، حتى في المعلومات الصحيحة.

وهنا لا يواجه الجمهور مشكلة انتشار المحتوى المزيف فقط، بل تصاعد القلق من القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة. فوفق تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026، ارتفعت نسبة الأشخاص القلقين من الأخبار الكاذبة أو المضللة عبر الإنترنت إلى 62% وفق الاستطلاع الذي شمل نحو 97,520 مشاركاً في 48 سوقاً حول العالم، بزيادة أربع نقاط مئوية مقارنة بالعام السابق في ظل توسع الاعتماد على منصات التواصل والفيديو كمصادر للأخبار. 

مسؤولية مشتركة 

خلاصةً، أعاد الذكاء الاصطناعي اليوم رسم العلاقة بين الإنسان والمعلومة، فأصبح التحدي اليوم هو التأكد من أن ما نراه ونسمعه موجود فعلاً، خاصةً في زمن الحرب، حيث يكون الخوف أرضاً خصبة للروايات السريعة، يمكن لمحتوى مصطنع أن يتحول خلال ساعات إلى حقيقة متداولة في أذهان الناس، حقيقة تتخزن في وعينا حتّى لو تبيّن عدم صحتها. والخطر الأكبر لا يكمن فقط في انتشار الأخبار الكاذبة، بل في الوصول إلى مرحلة يفقد فيها الجمهور الثقة بأي معلومة.

لذلك فإن مواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا تتطلب فقط أدوات كشف أكثر تطوراً، بل أيضاً صحافة تحقق أكثر مسؤولية، حكومات ومنصات تتحمل المسؤولية، وجمهوراً قادراً على التوقف والسؤال والنقد قبل أن يصدق ويشارك، لأن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط حول من يملك المعلومة، بل حول من يستطيع أن يقنع الآخرين بما هو حقيقي.

“تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام  لمنطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية”.

اقرأ أيضا: وصفات طبيعية للعناية بالبشرة حول الفم وتخليصها من الجفاف

‫0 تعليق

اترك تعليقاً