iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
لم يكد العالم يطوي صفحة موجة الغلاء التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا، حتى عادت المخاوف من التضخم، هذه المرة عبر بوابة التوترات الجيوسياسية. يرفع اضطراب إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع الرسوم الجمركية والحروب التجارية، تكلفة الوقود والشحن والإنتاج، ويهدّد بعرقلة مسار انحسار التضخم الذي سمح للمصارف المركزية بالتفكير في خفض معدلات الفائدة.
اقرأ أيضا: برشلونة مستعد للقيام بهذا الأمر لحسم صفقة رودري
تكشف سوق النفط حجم الارتباك. أفادت وكالة الطاقة الدولية بأن أسعار الخام تحركت أخيراً من ضمن نطاق استثنائي بلغ 40 دولاراً للبرميل، إذ وصلت إلى 105 دولارات في 23 تموز (يوليو)، بعدما تعثر تعافي إمدادات الخليج العربي إثر انهيار التهدئة في منتصف حزيران (يونيو) وتجدد التوترات.
ولا تقف التداعيات عند محطات الوقود. يمر نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية وقرابة ثلث تجارة الأسمدة عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه ينتقل سريعاً إلى أسعار النقل والكهرباء والغذاء. يزيد ارتفاع أسعار النفط تكلفة تشغيل السفن والشاحنات والمصانع، بينما يرفع نقص الأسمدة تكلفة الزراعة، لتصل الفاتورة في النهاية إلى المستهلك.
وتظهر آثار الصدمة في مؤشرات الأسعار، وإن بتفاوت بين الاقتصادات وبين القراءات الشهرية والسنوية. في الولايات المتحدة تراجع معدل التضخم قليلاً من 3.5 في المئة في حزيران/ يونيو إلى 3.4 في المئة في تموز، فيما انخفضت أسعار الطاقة 1.5 في المئة خلال الشهر. لكنها ظلت أعلى 14.7 في المئة عن مستواها قبل سنة، وازدادت أسعار البنزين 24.6 في المئة.
وفي منطقة اليورو ارتفع معدل التضخم من 2.8 في المئة في حزيران إلى 2.9 في المئة في تموز/ يوليو، مدفوعاً خصوصاً بزيادة أسعار الطاقة 10 في المئة على أساس سنوي. وقدّر صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل التضخم العالمي 4.4 في المئة هذه السنة، في سيناريو مرجعي يفترض نزاعاً قريب الأجل وارتفاعاً معتدلاً نسبته 19 في المئة في أسعار الطاقة.

الفائدة لا تنتج برميلاً من النفط
هنا تبدأ معضلة المصارف المركزية. لا ينتج التضخم الحالي أساساً من إفراط المستهلكين في الإنفاق، بل من صدمة في العرض ترفع تكلفة الاستيراد والإنتاج. ورفع معدلات الفائدة لا يستطيع فتح ممر بحري أو توفير برميل إضافي من النفط، لكنه يستطيع منع ارتفاع أسعار الطاقة من الانتقال إلى الأجور والخدمات وبقية الأسعار.
لذلك لا تعني عودة الضغوط السعرية بالضرورة انطلاق موجة عالمية وفورية من رفع معدلات الفائدة. وقد يكون التحرك الأول أقل صخباً: وقف التخفيضات المرتقبة، وإبقاء معدلات الفائدة مرتفعة مدة أطول، وانتظار اتضاح ما إذا كانت الصدمة عابرة أم مستمرة. وهذا ما بدأت المصارف المركزية تفعله. أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي معدلات الفائدة في تموز من ضمن نطاق 3.50 و3.75 في المئة، لكن ثلاثة أعضاء في المجلس طالبوا برفعها ربع نقطة، في إشارة إلى تنامي القلق من اجتماع ازدياد أسعار الطاقة والرسوم الجمركية.
اقرأ أيضا: ارتفاع الأحمر والأبيض، سعر كرتونة البيض اليوم الأربعاء في بورصة الدواجن
أما المصرف المركزي الأوروبي، فرفع معدلات الفائدة ربع نقطة في حزيران بسبب الضغوط التضخمية التي ولّدتها الحرب، ثم ثبتها في تموز، مؤكداً أن الأثر الكامل لصدمة الطاقة لم يظهر بعد. وأبقى بنك إنكلترا فائدته عند معدل يساوي 3.75 في المئة، متوقعاً عودة معدل التضخم إلى الارتفاع في الأشهر المقبلة بفعل الطاقة وآثارها غير المباشرة.
شبح “التضخم الموقت” يطارد المصارف
تستطيع المصارف المركزية التغاضي عن قفزة موقتة في أسعار النفط إذا بقيت توقعات التضخم مستقرة. لكن المشكلة تبدأ حين ترفع الشركات أسعارها لتعويض زيادة التكلفة، ويطالب العاملون بأجور أعلى لحماية قدرتهم الشرائية، ثم تعيد الشركات رفع الأسعار لتغطية الأجور. عندها تتحول صدمة خارجية إلى دورة تضخمية داخلية يصعب كسرها.
وتجعل تجربة السنوات الماضية المصارف أكثر حذراً. في بداية موجة التضخم بعد الجائحة، وصف كثير من صنّاع السياسات ارتفاع الأسعار بأنه موقت، قبل أن يتبين أنه أوسع نطاقاً وأبعد أجلاً، ما اضطرهم لاحقاً إلى رفع معدلات الفائدة بسرعة وحدة. ولا يريدون تكرار الخطأ نفسه.
لكن التحرك المبكر يحمل بدوره ثمناً. يقتطع ارتفاع الطاقة جزءاً من دخل الأسر ويضعف استهلاكها، فيما تزيد معدلات الفائدة المرتفعة تكلفة القروض والاستثمار وخدمة الديون. وإذا اجتمع الاثنان، قد يجد الاقتصاد نفسه أمام ركود تضخمي: نمو ضعيف وأسعار مرتفعة في الوقت نفسه.
وتبدو الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة أكثر تعرضاً إلى هذا الخطر، وخصوصاً البلدان التي تعاني ضعف العملة وضيق الموارد المالية. أما البلدان المرتبطة عملاتها بالدولار، فتتأثر بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
لذلك لن يكون السؤال الحاسم في الاجتماعات المقبلة للمصارف المركزية عن مقدار ارتفاع أسعار النفط وحده، بل كذلك عن مدة بقائه مرتفعاً ومدى انتقاله إلى الأجور والخدمات وتوقعات المستهلكين. إذا هدأت التوترات، قد تكتفي المصارف بتأخير خفض معدلات الفائدة. أما إذا ترسخ الغلاء في الاقتصاد، فقد يصبح رفعها ضرورياً، ولو جاء ذلك على حساب النمو.
