iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
في الوقت الذي كان يمكن أن يتحول فيه ارتفاع تكاليف الكبريت إلى عبء ثقيل على أرباح شركة التعدين العربية السعودية (معادن)، جاء الأداء القياسي لقطاع الألومنيوم والذهب ليقلب المعادلة، ليصعد صافي الربح بنسبة 13% رغم انكماش إجمالي الربح. هذه النتيجة تكشف أن استراتيجية التنويع التي تبنّتها الشركة منذ سنوات بدأت تُثبت جدواها فعلياً في مواجهة الصدمات القطاعية.
اقرأ أيضا: تكليف مدير بلدية المحمودية فاطمة حسن بمهام إدارة بلدية المنصور
وحققت الشركة المدرجة في السوق المالية السعودية “تداول” إيرادات بلغت 10.94 مليار ريال سعودي (نحو 2.92 مليار دولار أمريكي) خلال الربع الثاني من 2026، بارتفاع نسبته 16% مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي، فيما قفز صافي الربح العائد للمساهمين إلى 2.18 مليار ريال (580 مليون دولار)، بزيادة 13% على أساس سنوي و33% مقارنة بالربع الأول من العام ذاته.
ومعادن هي أكبر شركة تعدين ومعادن متعددة السلع في الشرق الأوسط، وتُعد من أسرع شركات القطاع نمواً عالمياً، إذ تدير محفظة متنوعة تشمل الفوسفات والألومنيوم والذهب والنحاس والبوكسايت، وتُمثل ركيزة أساسية في خطط التحول الصناعي للمملكة العربية السعودية ورؤية 2030. تُوظف الشركة أكثر من 8,000 موظف، وسجلت إيرادات بلغت 38.6 مليار ريال سعودي (10.3 مليار دولار) خلال عام 2025 بحسب بيانات الشركة.
اللافت في نتائج الربع الثاني أن هذا النمو في الربحية تحقق رغم تراجع إجمالي الربح بنسبة 3.8% ليصل إلى 3.39 مليار ريال (904 ملايين دولار)، وانخفاض الربح التشغيلي بنسبة 7.7% إلى 2.36 مليار ريال (630 مليون دولار). بعبارة أخرى، الأعمال التشغيلية الأساسية للشركة واجهت ضغوطاً حقيقية، لكن عوامل أخرى -أبرزها انخفاض تكلفة التمويل وارتفاع حصة الشركة من أرباح استثماراتها المحاسبة بطريقة حقوق الملكية- هي ما رفع صافي الربح النهائي.
وتعليقاً على النتائج، قال روبرت ويلت، الرئيس التنفيذي لشركة معادن: “حققنا نتائج مالية قوية خلال الربع الثاني. وعلى الرغم من التحديات المرتبطة بإمدادات الكبريت والخدمات اللوجستية في قطاع الفوسفات، سجل قطاع أعمال الألمنيوم أفضل أداء مالي في تاريخه، إلى جانب الأداء القوي لقطاع الذهب”. وأضاف أن الشركة “ستواصل التركيز على تنمية مهارات موظفيها وتعزيز كفاءة عملياتها، بينما تمضي قدماً في الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها وتحقيق قيمة مستدامة لمساهميها خلال عام 2026 وما بعده”.
الفوسفات يدفع الفاتورة والألومنيوم يسدد
الرواية الحقيقية خلف الأرقام تكمن في تباين حاد بين قطاعات الشركة الثلاثة. فقطاع الفوسفات، الذي يمثل تقليدياً العمود الفقري لأرباح معادن، سجل تراجعاً في الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاءات (إيبيتدا) بنسبة 32% على أساس سنوي إلى 1.23 مليار ريال (328 مليون دولار). كانت هذه الأرباح قد بلغت 1.8 مليار ريال (480 مليون دولار) في الربع المماثل من 2025. وتراجع هامش الربحية من 47% إلى 24% فقط، أي بانخفاض 23 نقطة مئوية.
السبب الرئيسي هو ارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد والمواد الخام، وتحديداً أسعار الكبريت التي وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ عشرين عاماً. جاء ذلك بعدما خفّض عدد من كبار المنتجين العالميين -المغرب والولايات المتحدة والهند والبرازيل والصين- إنتاجهم. هذا الضغط على التكلفة تزامن مع انخفاض حاد في أحجام الإنتاج: تراجع إنتاج ثنائي فوسفات الأمونيوم بنسبة 28% إلى 1.23 مليون طن متري، وهبط إنتاج الأمونيا بنسبة 64% إلى 267 ألف طن. ودفعت هذه الظروف الشركة إلى تعديل توقعاتها لإنتاج ثنائي فوسفات الأمونيوم للعام الكامل إلى نطاق يتراوح بين 6 و6.5 مليون طن متري، كما غيّرت توقعاتها لإنتاج الأمونيا.
في المقابل، سجّل قطاع الألومنيوم “أفضل أداء مالي ربع سنوي منذ تأسيسه” بحسب بيان الشركة. قفزت إيراداته 49% على أساس سنوي إلى 3.79 مليار ريال (1.01 مليار دولار)، بينما تضاعفت أرباحه قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاءات بنسبة 53% إلى 1.54 مليار ريال (410 ملايين دولار)، مع تحسن الهامش من 26% إلى 41%، أي بارتفاع 15 نقطة مئوية. الدافع الأساسي هنا ليس زيادة الإنتاج -الذي تراجع فعلياً بنسبة 2%- بل ارتفاع الأسعار المحققة للألومنيوم بنسبة 51% إلى 3,915 دولاراً للطن. ساهم في ذلك استمرار قوة العلاوات السعرية الإقليمية وتوقعات بعجز عالمي في المعروض يبلغ 1.7 مليون طن خلال ما تبقى من عام 2026.
أما قطاع الذهب والمعادن الاستراتيجية للنمو، فواصل تعزيز مساهمته بإيرادات نمت 34% إلى 1.96 مليار ريال (523 مليون دولار)، مدفوعة بارتفاع الإنتاج 10% إلى 118 ألف أونصة وقفزة الأسعار المحققة 33% إلى 4,413 دولاراً للأونصة. تراجعت التكاليف الشاملة 6% إلى 1,236 دولاراً للأونصة، ما يعكس تحسناً حقيقياً في الكفاءة التشغيلية وليس مجرد استفادة من ارتفاع الأسعار العالمية.
ما الذي رفع صافي الربح فعلياً؟
يوضح إفصاح الشركة أن ارتفاع صافي الربح بمقدار 253 مليون ريال (67 مليون دولار) خلال الربع الثاني لم يأتِ من التشغيل المباشر. جاء الارتفاع بالدرجة الأولى من ثلاثة عوامل غير تشغيلية: انخفاض تكلفة التمويل، وارتفاع حصة الشركة في صافي أرباح الاستثمارات المحاسبة بطريقة حقوق الملكية (وأبرزها حصتها في شركة ألومنيوم البحرين “ألبا”)، وزيادة الإيرادات التشغيلية الأخرى. في المقابل، ارتفعت المصاريف التشغيلية بفعل زيادة مصاريف الاستكشاف، وهو ما تصفه الشركة بأنه استثمار في استراتيجية النمو طويلة الأجل وتطوير الموارد وليس تضخماً في التكاليف الإدارية.
على مستوى الأشهر الستة الأولى من العام، بلغت الإيرادات 19.73 مليار ريال (5.26 مليار دولار)، بنمو 10% سنوياً، بينما ارتفع صافي الربح 9.8% إلى 3.81 مليار ريال (1.02 مليار دولار). استفادت هذه النتيجة جزئياً من تعويض تأميني لمرة واحدة بقيمة 375 مليون ريال (100 مليون دولار) سجلته وحدة الفوسفات في الربع الأول. ارتفعت ربحية السهم إلى 0.98 ريال مقارنة بـ0.91 ريال في الفترة المماثلة، فيما نمت حقوق ملكية المساهمين 13.7% لتصل إلى 65.23 مليار ريال (17.39 مليار دولار)، في مؤشر على تعزيز القاعدة الرأسمالية للشركة رغم توزيعات الأرباح والاستثمارات الرأسمالية الضخمة في مشاريع التوسع.
السياق الأكبر: لماذا يهم هذا المستثمرين؟
النتيجة الأهم لمستثمري معادن ليست الرقم الإجمالي للربح، بل قدرة الشركة على امتصاص صدمة قطاعية حادة في أكبر أعمالها التاريخية دون أن تنعكس على الأرباح النهائية سلباً. هذا اختبار حقيقي لجدوى استراتيجية التنويع التي انتهجتها الشركة، بحيث لم يعد أداؤها المالي رهينة تقلبات سوق واحدة كما كان الحال قبل سنوات حين كان الفوسفات يمثل المحرك شبه الوحيد للأرباح.
في المقابل، يظل ملف الفوسفات نقطة تستحق المتابعة عن قرب. فارتفاع تكاليف الكبريت ليس عاملاً عابراً بالضرورة، إذ يرتبط بديناميكيات عرض وطلب عالمية معقدة قد تستمر لفترة، بينما تعتمد الشركة على مشروع “فوسفات 3” -الذي يمضي وفق الجدول الزمني المحدد وسيدخل مرحلة التشغيل التجريبي بنهاية العام- لتعزيز طاقتها الإنتاجية وتحسين هيكل التكاليف على المدى المتوسط.
أما على صعيد الذهب، فتبقى معادن في موقع مؤاتٍ للاستفادة من استمرار قوة الأسعار العالمية التي لا تزال قريبة من أعلى مستوياتها التاريخية رغم تراجعها التدريجي خلال الربع، مع توقعات بأن يتجه إنتاج النصف الأول من العام نحو الحد الأعلى من النطاق المعلن سابقاً (470 إلى 515 ألف أونصة). كما يبقى إنتاج أول كمية ذهب متوقعاً من منجم “الرجوم” الجديد بحلول نهاية عام 2028، في خطوة تعزز قاعدة النمو المستقبلي لهذا القطاع الذي بات يشكل رافعة أرباح متنامية الأهمية لدى المستثمرين.
اقرأ أيضا: إشارة حاسمة من برشلونة تقرّب بطل العالم من الرحيل
