iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
محمد عبدالله – كاتب وباحث سياسي
اقرأ أيضا: منوعات – متى تبدأ غرة ربيع الأول 1448هـ؟
لم يعد لبنان يعيش تداعيات الحرب الإسرائيلية وانعكاساتها الأمنية والسياسية فحسب، بل يبدو أنه دخل تدريجاً مرحلة جديدة من الصراع الدولي على النفوذ، بدأت ملامحها تظهر بوضوح في الجنوب اللبناني، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية والأوروبية مع مستقبل اتفاق الإطار وآلية مراقبة تنفيذه.
الجولة الأخيرة من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، كشفت أن المسألة تتجاوز البحث في الانسحاب الإسرائيلي أو آلية التحقق من خلو المناطق التي انسحبت منها إسرائيل من السلاح غير الشرعي. فخلف هذه التفاصيل التقنية يبرز سؤال أكبر: من ستكون له الكلمة الفصل في إدارة الأمن في جنوب لبنان خلال المرحلة المقبلة؟
آلية التحقق… بداية التغيير
يشكل إنشاء لجنة التحقق الدولية أحد أكثر الملفات حساسيةً في المرحلة الحالية. فاللجنة يفترض أن تتولى مراقبة المناطق التجريبية التي نص عليها اتفاق الإطار الموقع في واشنطن في 26 حزيران، والتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية فيها بعد الانسحاب الإسرائيلي.
وقد رفض لبنان إشراك إسرائيل أو شركات أمنية خاصة في عمليات التحقق، متمسكاً بأن تكون المهمة في عهدة جهات دولية رسمية. وفي مفاوضات روما، اتفق على إعداد لائحة بالدول التي يمكن أن تشارك في هذه المهمة، على أن يكون للولايات المتحدة دور أساسي في اختيار الدول، لكن المفاجأة الأبرز كانت استبعاد فرنسا.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا، إضافة إلى دول أخرى، يمكن أن تشارك في آلية التحقق. وهذا الاستبعاد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل تقني، نظراً إلى الدور الفرنسي التاريخي في لبنان، خصوصاً في الجنوب.
لماذا فرنسا؟ تحتفظ باريس بعلاقة تاريخية وسياسية وثقافية عميقة مع لبنان، وهي من الدول الأكثر حضوراً في الملف اللبناني، سياسياً وديبلوماسياً وأمنياً.
كما أن فرنسا من الدول الأساسية المشاركة في قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان “اليونيفيل” التي تشكل منذ عقود جزءاً رئيسياً من المعادلة الأمنية في الجنوب.
وقد أنشئت “اليونيفيل” عام 1978 بموجب قراري مجلس الأمن 425 و426، ثم توسعت مهمتها وتعززت بعد حرب تموز 2006 بموجب القرار 1701، لتصبح أحد أعمدة ترتيبات الأمن والاستقرار في جنوب لبنان.
لكن مهمة “اليونيفيل” دخلت مرحلة جديدة بعد قرار مجلس الأمن في عام 2025 تمديد ولايتها للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، مع بدء خفض عديدها وانسحابها تدريجاً خلال عام 2027.
وهنا يبرز السؤال ماذا بعد “اليونيفيل”؟
إذا لم يحصل تمديد جديد، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة انتقالية تحتاج إلى آلية دولية بديلة تمنع حدوث فراغ أمني في الجنوب.
وهذا تحديداً ما يجعل لجنة التحقق المقترحة مهمة. فهل تكون مجرد آلية موقتة للتحقق من المناطق التجريبية، أم أنها ستكون النواة الأولى لنظام أمني دولي جديد يحل تدريجاً مكان “اليونيفيل”؟ الفرق كبير.
“الـيونيفيل” تعمل بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن، بينما تبدو آلية التحقق الجديدة مرتبطة مباشرة بتنفيذ اتفاق الإطار وبآلية التنسيق الأميركية بين لبنان وإسرائيل.
وهذا يعني انتقالاً محتملاً من منظومة أممية متعددة الطرف إلى منظومة أكثر ارتباطاً بالوساطة الأميركية المباشرة.
واشنطن تتقدم… وباريس تتراجع؟
منذ اتفاق الإطار، أصبح الدور الأميركي في لبنان أكثر مباشرة. فالولايات المتحدة لا تقوم فقط بدور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل تشارك في إدارة آلية مراقبة وقف النار والتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
كما أن الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد الذي يترأس آلية مراقبة وقف النار، أصبح أحد أبرز المسؤولين عن متابعة تنفيذ التفاهمات والاتصالات بين الجانبين.
وبذلك، باتت واشنطن تمسك بجزء أساسي من مفاتيح المرحلة الجديدة.
في المقابل، يبدو الدور الفرنسي أكثر تعقيداً. فباريس لا تزال حاضرة بقوة في لبنان، لكنها تواجه واقعاً جديداً: إسرائيل لا تريد دوراً فرنسياً واسعاً في آلية التحقق، وواشنطن تبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الملف عبر آليات تقودها هي مباشرة.
وهنا يمكن قراءة استبعاد فرنسا باعتباره مؤشراً على إعادة توزيع النفوذ الغربي في لبنان.
اقرأ أيضا: رونالدو ينفجر بالضحك!.. مئات السياح يحاصرون كنيسة في ماديرا انتظارًا لزفافه
التنافس الأوروبي ـ الأميركي
المسألة ليست بالضرورة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها تعكس اختلافاً في مقاربة إدارة الملف اللبناني.
واشنطن تريد آلية مرتبطة مباشرة بتنفيذ الالتزامات الأمنية الناتجة من التفاهمات اللبنانية ـ الإسرائيلية، فيما تريد أوروبا، ولا سيما منها فرنسا وإيطاليا، الحفاظ على دورها في منظومة الأمن والاستقرار في لبنان وعدم خسارة موقع اكتسبته على مدى عقود من خلال “اليونيفيل” والعلاقات السياسية والديبلوماسية.
ومن هنا، فإن إشراك بريطانيا وإيطاليا ودول أوروبية وغير أوروبية قد يمثل محاولة لإنتاج توازن جديد داخل الحضور الغربي، من دون أن تعود فرنسا صاحبة الدور الأوروبي الأبرز في الملف.
لبنان بين واشنطن وباريس
المشكلة أن هذا الصراع يجري فوق أرض لبنان.
فبيروت تحتاج إلى الولايات المتحدة لضمان تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي والضغط على إسرائيل، كما تحتاج إلى الدعم الأميركي للجيش اللبناني. لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أوروبا، وإلى فرنسا تحديداً، التي كانت تاريخياً من أبرز الدول الداعمة للبنان في المحافل الدولية.
لذلك، فإن أي انتقال من “اليونيفيل” إلى آلية أخرى يجب ألا يتحول إلى تغيير في طبيعة الضمانات الدولية التي يحتاجها لبنان، ولا إلى صيغة تجعل الجنوب خاضعاً فقط لتوازنات أميركية ـ إسرائيلية.
فالجنوب لا يحتاج إلى آلية للتحقق من السلاح فحسب، بل إلى مظلة دولية تضمن احترام السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي في آن واحد.
وقد يبدو ملف التحقق تفصيلاً تقنياً في مفاوضات روما، لكن خلفه معركة أكبر تتعلق بمستقبل الدور الدولي في لبنان.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو: هل يكون ما بعد اليونيفيل انتقالاً إلى آلية دولية جديدة تحمي الاستقرار، أم بداية مرحلة يصبح فيها القرار الأمني في الجنوب أكثر ارتباطاً بالمقاربة الأميركية ـ الإسرائيلية؟
بين واشنطن وباريس، قد يصبح الجنوب اللبناني خلال المرحلة المقبلة أحد أبرز ميادين اختبار التنافس على النفوذ في لبنان.
اقرأ أيضا: حبس راكب بتهمة محاولة تهريب كمية من مخدر الماريجوانا بمطار القاهرة
