إصلاح الدولة أولاً… أم إعادة الودائع؟ لبنان أمام اختبار الحقيقة المالية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. علي حمّود – باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد

اقرأ أيضا: انخفاض منسوب الدانوب يكشف حطام سفن نازية غارقة

لم تعد أزمة الودائع في لبنان مجرد قضية مصرفية أو خلاف تقني بين وزارة المالية ومصرف لبنان، بل أصبحت عنواناً لمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فالاجتماعات الأخيرة التي جمعت وزير المال ياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد مع اللجان النيابية والجهات المعنية، كشفت أن العقدة الأساسية لم تعد تكمن في كيفية إعادة أموال المودعين، بل في من يتحمل الخسائر ومن يمول عملية الاسترداد؟
لقد أعاد مصرف لبنان طرح ملف يعتبره أساسياً، وهو أن الدولة اللبنانية مدينة له بمبالغ ضخمة تراكمت مدى سنوات نتيجة تمويل العجز والخزينة. وبحسب الطرح الذي يناقشه المصرف المركزي، فإنه يطالب الدولة بتخصيص 600 مليون دولار سنوياً، إضافة إلى 25% من عائدات الخصخصة المستقبلية، بهدف إعادة تكوين ميزانيته وتمكينه من المساهمة في إعادة الودائع.
هذا الطرح يعكس تحولاً جوهرياً في النقاش. فبعد سنوات كان التركيز فيها على مسؤولية مصرف لبنان والمصارف التجارية، عاد السؤال إلى نقطة البداية: هل تستطيع الدولة التنصل من مسؤولية الأموال التي اقترضتها فعلياً من المصرف المركزي؟
في المقابل، تؤكد وزارة المال أن بعض المطالب، ولا سيما منها ما يتعلق بدينٍ يُقدّر بنحو 16.5 مليار دولار يدّعي مصرف لبنان أنه مترتب على الدولة، يحتاج إلى تدقيقٍ محاسبي وقانوني، لأن هذا الرقم لا يظهر بالصورة نفسها في سجلات الوزارة، ما أدى إلى تشكيل لجان مشتركة للتحقق منه قبل إدراجه ضمن أي تسوية مالية شاملة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
إذا اعترفت الدولة بهذا الدين، فإن حجم الدين العام سيرتفع بصورة كبيرة، الأمر الذي قد يعقّد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ويؤثر على قدرة لبنان على استعادة الاستقرار المالي. أما إذا رفضت الاعتراف به، فإن مصرف لبنان سيعتبر أن ميزانيته لا يمكن إصلاحها، وأن قدرته على تمويل إعادة الودائع ستبقى محدودة.
وفي خضم هذا السجال، يبقى المودع الحلقة الأضعف.
فالأموال التي أعيدت حتى الآن عبر التعميمين 158 و166 تجاوزت 2.5 مليار دولار سنوياً، واستفاد منها مئات آلاف المودعين، إلا أن هذه الآلية لا تعالج سوى جزء محدود من الأزمة، بينما تبقى الودائع الكبرى رهينة الحل الشامل. كما يؤكد مصرف لبنان أن الجزء الأكبر من هذه المدفوعات يموله بنفسه من الاحتياطات الإلزامية العائدة للمودعين، وليس من أموال الخزينة.
اقتصادياً، لا يمكن إعادة الودائع عبر إصدار قانون فقط.
فالودائع ليست رقماً على الورق، بل التزام مالي يحتاج إلى مصادر تمويل حقيقية. فإذا كانت الدولة عاجزة عن تغطية نفقاتها الأساسية، وإذا كان مصرف لبنان يطالب باسترداد أمواله من الدولة، وإذا كانت المصارف تحتاج إلى إعادة رسملة، فمن أين ستأتي الأموال اللازمة لإعادة عشرات مليارات الدولارات الى المودعين؟
لهذا السبب يصر صندوق النقد الدولي على أن يسبق أي قانون للودائع برنامج إصلاح مالي متكامل، يشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح المالية العامة، وتحديد المسؤوليات، وضمان استدامة الدين العام.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من توزيع الخسائر، بل من وقف إنتاجها. فلا يمكن مطالبة المواطن بتحمل تبعات الانهيار فيما تستمر بنية الدولة نفسها في الآليات التي أوصلت البلاد إلى الإفلاس.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون إجابته منذ عام 2019:
هل سيكون قانون استرداد الودائع بداية لاستعادة الثقة، أم مجرد تسوية مالية جديدة تؤجل الانفجار المقبل؟
الإجابة لن تحدد مستقبل القطاع المصرفي فحسب، بل ستحدد أيضاً ما إذا كان لبنان قادراً على استعادة دولته المالية، أو أنه سيبقى يدور في حلقة مفرغة من الديون، والخلافات المحاسبية، والوعود المؤجلة. فاستعادة الودائع لن تتحقق بالشعارات، بل بإرادة سياسية تضع الإصلاح قبل المحاصصة، والشفافية قبل التسويات، وحقوق المودعين فوق أي اعتبار آخر.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً