أوكرانيا تعرض نفسها شريكاً لأميركا… هل تصبح “إسرائيل أوروبا”؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تحاول أوكرانيا ربط حربها مع روسيا بالمواجهة الأميركية مع إيران، مقدّمةً نفسها شريكاً قادراً على خدمة المصالح الأميركية في مواجهة خصوم مشتركين، وفي مقدمهم موسكو وطهران. وتطرح تحركات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سؤالاً أبعد من حاجة كييف إلى السلاح الأميركي. فهل يحاول إقناع الرئيس دونالد ترامب بالنظر إلى أوكرانيا بوصفها حليفاً متقدماً في أوروبا، على نحو يقارب بعض أوجه العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وإسرائيل؟

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – وزيرة الشؤون القانونية تعليقا على استمرار استهداف المخا: بقاء السلاح بيد المليشيا خطر مستمر واحتكاره بيد الدولة مقتضى دستوري

في تحركات كييف الأخيرة، تظهر محاولة واضحة لإعادة تقديم الحرب الأوكرانية باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع مع خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمهم موسكو وطهران، بحسب مراقبين. وتبرز في هذا السياق الضربة الأوكرانية في بحر قزوين، التي قالت كييف إنها استهدفت سفناً مرتبطة بنقل إمدادات عسكرية إيرانية إلى روسيا، فيما أعلنت طهران إصابة سفينة تجارية إيرانية ومقتل أحد بحارتها. وجاءت الضربة قبل زيارة زيلينسكي الأخيرة إلى واشنطن. فالرسالة التي تحاول كييف إيصالها إلى إدارة ترامب تبدو مباشرة: أوكرانيا مستعدة للتحرك ضد المصالح الروسية والإيرانية، حتى في ساحات بعيدة من جبهتها التقليدية.

ويرى محللون أن زيلينسكي يسعى بذلك الى تعزيز مكانته ضمن قائمة أولويات ترامب، وإقناعه بأن بلاده يمكن أن تؤدي في شرق أوروبا دوراً يتجاوز موقع الدولة التي تتلقى الأسلحة والمساعدات، لتصبح شريكاً عسكرياً وأمنياً يمتلك خبرة ميدانية وتكنولوجية يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الاستفادة منها. ومن هنا تبرز المقارنة مع إسرائيل، لا بوصفها نموذجاً قابلاً للاستنساخ حرفياً، بل كدولة تجمع بين الدعم الأميركي والقدرات العسكرية والاستخباراتية المحلية في مواجهة خصوم مشتركين.

وفي هذا الإطار،  يركز زيلينسكي أخيراً على ما يقول إنه تعاون متزايد بين روسيا وإيران.  واتهم موسكو بتزويد طهران بمعلومات وصور أقمار اصطناعية مرتبطة بمواقع أميركية في الشرق الأوسط، في محاولة إضافية لإظهار أن الحرب في أوكرانيا والمواجهة الأميركية مع إيران تتقاطعان ضمن شبكة واحدة من المصالح والخصوم.

ولا تنفصل هذه المساعي عن حاجة أوكرانيا المتزايدة إلى السلاح، لكن كييف تحاول في الوقت نفسه تغيير طبيعة العلاقة الدفاعية مع واشنطن. وخلال تحركات زيلينسكي الأخيرة في الولايات المتحدة، برز البحث في إمكان إنتاج صواريخ “باتريوت” بموجب تراخيص أميركية، إلى جانب توسيع التعاون بين الصناعات الدفاعية في البلدين ونقل التكنولوجيا. وهي خطوات تسمح لكييف بتقديم نفسها شريكاً دفاعياً يمتلك قدرات إنتاجية وخبرة قتالية، وليس مستهلكاً دائماً للسلاح الأميركي.

وفي المقابل، تبقى الحاجة الملحة إلى الدفاع الجوي نقطة ضعف أساسية. فقد طالب زيلينسكي الولايات المتحدة بالحصول على ما يعادل 5 في المئة من مخزونها من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية لمساعدة بلاده على تجاوز الشتاء، معتبراً أن رفع النسبة إلى 10 في المئة قد يمنح أوكرانيا قدرة أكبر على التصدي للصواريخ الباليستية الروسية.

أين تقف حدود المقارنة؟

ويقول المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور خالد العزي لـ”النهار” إن “هذا الطرح غير دقيق”، معتبراً أن “أوكرانيا لم تخض حربها بهدف التحول إلى دولة معزولة تعتمد على الولايات المتحدة، على غرار إسرائيل، بل انطلقت أساساً من كونها دولة أوروبية تسعى إلى الاندماج في المنظومة الأوروبية”.

ويشير إلى أن كييف كانت تحاول منذ عام 2013 تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا، قبل أن تؤدي الضغوط الروسية إلى عرقلة هذا المسار، ثم تطورت الأزمة في عام 2014 إلى مواجهة عسكرية خسرت خلالها أوكرانيا أجزاء من أراضيها.

وبحسب العزي، دفعت هذه التطورات أوكرانيا إلى “طلب حمايةٍ ودعم أوروبيين، انطلاقاً من هويتها الأوروبية ورغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي”. ويعتبر أن المشهد تغير اليوم، إذ باتت أوكرانيا، في نظر عدد متزايد من الأوروبيين، “خط الدفاع الأول عن القارة في مواجهة روسيا، خصوصاً بعدما أثبت الجيش الأوكراني قدرته على الصمود في مواجهة قوة عسكرية كبرى”.

ويرى أن كييف لا تطمح إلى الحصول على الحماية فحسب، بل تسعى إلى بناء شراكات دفاعية واستراتيجية طويلة الأمد مع الغرب، على غرار العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بدول مثل إسرائيل واليابان، من دون أن يعني ذلك تحولها إلى “ولاية أميركية”.

رجال إنقاذ أوكرانيون يخمدون حريقا اندلع في مبنى سكني متضرر عقب هجوم جوي في دونيتسك، (أ ف ب).

روسيا وإيران… حلقة الوصل

ومع ذلك، يرى العزي أنه “لا شك في وجود علاقة وطيدة بين روسيا وإيران، وقد بات واضحاً خلال الحرب أن موسكو تزود طهران معلومات استخباراتية، بينها معلومات عن مواقع وقواعد أميركية في الشرق الأوسط وإسرائيل. وفي المقابل، يذكّر زيلينسكي بأن إيران كانت مورداً أساسياً لروسيا بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمتها ضد أوكرانيا طوال المرحلة  الماضية”.

اقرأ أيضا: الأرض تنشق والبحر يتحرك، مشاهد مرعبة لزلزال إندونيسيا القوي (فيديو)

#Analysis#

ويرى أن زيلينسكي يحاول التأكيد وجود ترابط عسكري وأمني بين الحرب الأوكرانية والمواجهة الأميركية مع إيران، وأن روسيا تشكل نقطة ارتكاز في هذا الترابط. ويشير إلى أن المعلومات التي حصلت عليها أوكرانيا لتنفيذ ضربتها في بحر قزوين كانت أميركية، في إطار استهداف ممرات تستخدمها روسيا وإيران لتجاوز العقوبات ونقل المعدات والإمدادات.

ويؤكد أن هدف زيلينسكي ليس جرّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، بل إيصال رسالة إلى ترامب مفادها أن دعم أوكرانيا ضروري لمواجهة منظومة روسية–إيرانية متشابكة. ويضيف أن كييف تحتاج خصوصاً إلى مزيد من صواريخ “باتريوت” لحماية أراضيها من الهجمات الروسية.

ويخلص إلى أن زيلينسكي يسعى إلى إقناع واشنطن وأوروبا بأن دعم أوكرانيا والتعامل مع إيران جزءان من توازن استراتيجي أوسع، وأن إضعاف قدرة موسكو على دعم طهران يخدم المصالح الغربية خارج حدود أوكرانيا أيضاً.

شريك لأميركا ولكن إلى أي حد؟

مع ذلك، تظهر حدود الرهان الأوكراني عندما تتعارض تحركات كييف مع حسابات واشنطن الأوسع. فقد دفعت المخاوف الأميركية من تأثير بعض الضربات الأوكرانية في منشآت ومسارات تصدير النفط الروسية على الأسواق والمصالح الأميركية واشنطن إلى الضغط للحد من بعض هذه العمليات. وهذا يعني أن تحول أوكرانيا إلى شريك عسكري أكثر أهمية لا يمنحها بالضرورة هامش الحركة الذي تتمتع به إسرائيل في علاقتها مع الولايات المتحدة.

في النهاية، لا تبدو كييف في طريقها إلى التحول حرفياً إلى “إسرائيل أوروبا”، لكن زيلينسكي يحاول تغيير الطريقة التي ينظر بها ترامب إلى بلاده. فبدلاً من دولة تحتاج باستمرار إلى المال والسلاح الأميركيين، يريد تقديم أوكرانيا كحليف يمتلك جيشاً خَبِر حرباً واسعة، وصناعة دفاعية متنامية، وقدرات في المسيّرات والاستخبارات، واستعداداً لمواجهة خصوم واشنطن المشتركين.

ويبقى نجاح هذا الرهان مرتبطاً بقدرة زيلينسكي على إقناع ترامب بأن ما تنفقه الولايات المتحدة على أوكرانيا ليس دعماً لحرب بعيدة فحسب، وإنما استثمار في شريك يمكن أن تكون له قيمة استراتيجية تتجاوز الجبهة الروسية إلى المواجهة الأوسع مع إيران.

اقرأ أيضا: اتفاق واحد وروايات متعددة… غموض أميركي من الصين إلى الشرق الأوسط

‫0 تعليق

اترك تعليقاً