جريدة الغد
بعد أقل من أربع سنوات على إطلاق «شات جي بي تي» للعامة، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحجم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بمدى تغلغلها في المحتوى الذي نقرأه يوميًا على الإنترنت.
اقرأ أيضا: في هذا الموعد، المصري يواجه سموحة ببداية مشوارهما بالدوري الممتاز
دراسة جديدة تشير إلى أن هذا التحول بات واضحًا على مستوى الويب نفسه؛ إذ أظهرت أكثر من ثلث صفحات الإنترنت المنشورة بعد إطلاق «شات جي بي تي» مؤشرات قوية على أن الذكاء الاصطناعي شارك في كتابتها أو تحريرها بشكل جوهري.
وفي المقابل، عندما تشمل العينة صفحات حديثة وقديمة معًا، تنخفض النسبة إلى نحو 10%، وهو فارق مهم يكشف أن انتشار المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي يرتبط بصورة أساسية بالموجة الجديدة من الصفحات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
الدراسة نشرها مركز بيو للأبحاث Pew Research Center في 20 أغسطس/آب 2026، وأعدها كل من سامويل بيستفاتر، وآرون سميث، وكارسون تيربوش، وكريس بارانوفسكي، وجاناكي تشافدا. واعتمد الباحثون على تحليل نحو 490 ألف صفحة إلكترونية باللغة الإنجليزية جُمعت من أرشيف Common Crawl على مدى خمس سنوات، بما في ذلك فترة سبقت إطلاق «شات جي بي تي» في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وبعد جمع النصوص، استخدم الفريق أداة للكشف عن أنماط الكتابة بالذكاء الاصطناعي تحمل اسم Open Pangram، بهدف تقدير ما إذا كانت الصفحات قد كُتبت أو عُدلت بدرجة كبيرة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
ثلث الصفحات الحديثة يحمل بصمات الذكاء الاصطناعي
ولا تعني هذه النتيجة أن ثلث الإنترنت بالكامل كتبته الآلات، كما أنها لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الصفحات تم توليدها آليًا من البداية إلى النهاية. فقد يكون الذكاء الاصطناعي استُخدم في إنشاء المسودة الأولى، أو إعادة صياغة أجزاء من النص، أو توسيع المحتوى، أو تحسين اللغة، أو إنتاج نسخة أكثر توافقًا مع محركات البحث.
هذه النقطة أساسية لفهم الدراسة، لأن الحدود بين النص البشري والنص الآلي أصبحت أقل وضوحًا. فالكثير من المحتوى الرقمي اليوم لا ينتمي بالكامل إلى أحد الطرفين، بل قد يكون نتاج عملية هجينة تبدأ من كاتب بشري، ثم تمر بأداة ذكاء اصطناعي للتحرير أو التوسيع أو إعادة الصياغة، قبل أن تعود مجددًا إلى محرر بشري.
ولهذا ركز الباحثون على «علامات التأليف بالذكاء الاصطناعي» بدل محاولة تصنيف كل صفحة باعتبارها بشرية أو آلية بشكل مطلق.
10% من الإنترنت في عينة يوليو
وقد تبدو هذه النسبة أقل من الصورة التي رسمتها أبحاث أخرى حول انتشار المحتوى الآلي، لكنها ترتبط بطريقة تكوين الإنترنت نفسه؛ فالشبكة تحتوي على ملايين الصفحات القديمة التي سبقت ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية، وبالتالي لا يمكن أن تكون قد أُنشئت باستخدام «شات جي بي تي» أو أدوات مشابهة.
لكن الاتجاه الزمني أكثر أهمية من الرقم المجرد. فبحسب الدراسة، بدأت نسبة الصفحات التي تحمل مؤشرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالصعود بوضوح في أواخر عام 2022، بالتزامن مع إطلاق «شات جي بي تي»، ثم واصلت الارتفاع مع انتشار أدوات أخرى مثل «كلود» و«جيميني».
وهذا يعني أن النسبة الإجمالية للمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد تبدو محدودة عند احتساب تاريخ الإنترنت بأكمله، لكنها أعلى بكثير إذا اقتصر القياس على ما يتم إنتاجه ونشره حاليًا.
مواقع «دوت كوم» في المقدمة
في المقابل، بلغت النسبة نحو 4.6% في نطاقات .org، بينما انخفضت إلى قرابة 1% فقط في نطاقات .edu و.gov.
ويعكس هذا التفاوت اختلاف طبيعة المحتوى وآليات النشر بين هذه المواقع.
فالنطاقات التجارية تضم عددًا هائلًا من المواقع الإخبارية والتجارية والتسويقية والمدونات ومنصات المحتوى التي تعتمد على وتيرة نشر مرتفعة، وهي بيئات يمكن أن تستفيد بصورة أكبر من أدوات توليد النصوص وتسريع الإنتاج.
أما المواقع الحكومية والتعليمية، فعادة ما تعمل ضمن أنظمة تحرير ومراجعة أكثر صرامة، ما قد يفسر انخفاض مؤشرات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي فيها مقارنة بالمواقع التجارية.
للذكاء الاصطناعي «بصمة» لغوية
فعلى سبيل المثال، تضاعف تقريبًا استخدام الشرطة الطويلة (—)، بينما ارتفع استخدام فاصلة أكسفورد بنحو 63%. كما تضاعف استخدام مجموعة من الكلمات التي تظهر بكثرة في مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل الكلمات الإنجليزية التي تعني «التعمق» و«التفاعل» و«الدليل» و«المشهد» و«المحوري».
اقرأ أيضا: فينيسيوس يواجه فريسته المفضلة.. ومورينيو لا يعرف الخسارة
كذلك ارتفع استخدام تركيب لغوي يصفه الباحثون بـ«التوازي السلبي»، مثل صيغة «الأمر لا يتعلق فقط بـX، بل بـY»، إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه السابق، رغم أنه لا يزال قليل الاستخدام نسبيًا.
لكن الباحثين يحذرون من اعتبار أي من هذه العلامات دليلًا قاطعًا بمفرده.
فالكتّاب البشر يستخدمون الشرطة الطويلة وفاصلة أكسفورد وغيرها من التراكيب منذ زمن طويل. الفرق أن نماذج الذكاء الاصطناعي تميل إلى استخدامها بمعدلات أعلى، وعند تحليل مئات آلاف النصوص يمكن ملاحظة تغيرات إحصائية يصعب رؤيتها عند فحص مقال واحد.
هل يمكن الوثوق بكاشفات الذكاء الاصطناعي؟
غير أن قيمة هذه الأدوات، وفق منهج الدراسة، تظهر عند تطبيقها على مئات الآلاف من النصوص ومراقبة التغير عبر الزمن.
فحتى مع وجود نسبة من الأخطاء في التصنيف الفردي، تستطيع العينات الكبيرة الكشف عن اتجاهات عامة في تغير أنماط الكتابة، خصوصًا عندما تتزامن هذه التغيرات مع حدث واضح مثل الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد عام 2022.
إنترنت يكتب فيه البشر والآلات معًا
وهنا تظهر مفارقة جديدة: النماذج تحتاج إلى محتوى بشري ضخم للتعلم، لكنها في الوقت نفسه تنتج كميات متزايدة من المحتوى الذي يعود إلى الإنترنت، وقد يصبح لاحقًا جزءًا من البيانات التي تتعلم منها نماذج جديدة.
ولا يعني ذلك أن المحتوى البشري اختفى أو أصبح هامشيًا. فدراسات أخرى أشارت إلى أن المقالات التي يكتبها البشر ما تزال تتمتع بحضور قوي في نتائج بحث غوغل وفي المصادر التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي عند الاستشهاد بالمعلومات.
لكن دراسة بيو تظهر أن الافتراض القديم بأن النص المنشور على الإنترنت كتبه شخص على الأرجح لم يعد مضمونًا كما كان قبل سنوات قليلة.
ومع استمرار ارتفاع نسبة المحتوى الذي يُكتب أو يُحرر بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، يتحول السؤال تدريجيًا من «هل كتب الذكاء الاصطناعي هذا النص؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما مقدار التدخل البشري في المحتوى الذي نقرأه، وما مقدار العمل الذي قامت به الآلة؟ وهذه المنطقة الرمادية قد تصبح واحدة من أبرز سمات الإنترنت في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضا: موعد أول ظهور لرودري في مباريات برشلونة
