iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
مع احتمال انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، في بدايات أيلول/ سبتمبر المقبل يتقدم إلى الواجهة نقاش يتجاوز نتائج الجولات السابقة ومصير الجولة المقبلة: هل المشكلة في الوفد اللبناني المفاوض، أم في الدولة التي أرسلته؟
اقرأ أيضا: التفاصيل حسمت في الظلام؟ .. تسريبات تكشف خطة برشلونة بشأن رودري
فالوفد يتعرض لانتقادات متزايدة تطاول أداءه وكفاءة أعضائه. لكن ثمة سؤال يسبق الخلفيات الانتقادية ومعظمها سياسية وأحياناً انتخابية: هل يملك الوفد اللبناني التفويض والأدوات والأوراق التي تجعله مفاوضاً فعلياً؟
فالوفد لا يفاوض باسمه، وإنما باسم الدولة. وبالتالي، فإن قدرته على تحقيق النتائج لا تتوقف فقط على خبرة أعضائه في الملفات العسكرية والديبلوماسية والقانونية، ومستوى علمه السياسي والتاريخي والاجتماعي، وإنما على ما تحمله الدولة معه إلى الطاولة: قرار سياسي واضح، قدرة على تنفيذ الالتزامات، أوراق ضغط، وهامش للمناورة والمقايضة.
وهنا تبدأ المعضلة اللبنانية؛ من حق اللبنانيين أن يسألوا عن أداء وفدهم. بل إن مساءلته ضرورية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بملف سيادي وأمني يتصل بالحدود والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الجنوب. لكن هناك فارقاً بين نقد الأداء وبين الحكم على الكفاءة.
إذا قيل إن الوفد أخطأ، يجب تحديد الخطأ. هل أخطأ في قراءة الموقف الإسرائيلي؟ هل أهدر ورقة تفاوضية؟ هل قدم تنازلاً كان يمكن تجنبه؟ هل فشل في تقديم مقايضة؟ هل قبل بإطار تفاوضي حدّ من هامش حركته؟ هذه أسئلة يمكن أن تنتج تقييماً مهنياً. أما اعتبار الوفد غير كفوء لمجرد أنه لم يحصل على كل ما يريده لبنان، فلا يكفي لإثبات ذلك.
فالنتيجة التفاوضية ليست امتحاناً للوفد؛ إنها حصيلة تفاعل بين كفاءة المفاوض، وميزان القوى، وموقف الطرف الآخر، والتفويض السياسي، والأوراق المتاحة، وقدرة الدولة على تنفيذ ما تتعهد به.
إسرائيل تدخل المفاوضات وهي تملك واقعاً عسكرياً على الأرض، وتسعى إلى تحويل هذا الواقع إلى مكاسب أمنية وسياسية. أما لبنان فيدخلها مطالباً بإزالة هذا الواقع، والوصول إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار للجيش وترسيخ سلطة الدولة.
لذلك لا يبدأ الطرفان من الموقع نفسه. المفاوض اللبناني يستطيع أن يحسن استخدام أوراق بلاده، لكنه لا يستطيع أن يخلق أوراقاً غير موجودة. يمكنه استخدام الشرعية الدولية، والدعم الأميركي، ودور الجيش اللبناني، وحاجة إسرائيل إلى الأمن المستدام على حدودها الشمالية، لكن هذه العناصر لا تتحول تلقائياً إلى قوة تفاوضية ما لم تكن جزءاً من استراتيجية واضحة.
وهنا السؤال: هل يحمل الوفد اللبناني استراتيجية تفاوضية متكاملة، أم يحمل فقط مجموعة من المطالب اللبنانية؟
في التفاوض، هناك فرق بين أن تقول للطرف الآخر: هذا ما نريده منك، وبين أن تقول: هذا ما نريده منك، وهذا ما نستطيع تقديمه في المقابل.
لبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي، لكن ماذا يقدم في المقابل؟ انتشار الجيش؟ ترتيبات أمنية؟ آلية تحقق؟ ضمانات أميركية؟ التزامات واضحة في الجنوب؟ جدولاً زمنياً لتنفيذ التزامات متبادلة؟
كلما كانت الإجابة أكثر وضوحاً، أصبح الوفد أقرب إلى مفاوض فعلي قادر على صناعة صفقة.
أما إذا كانت مهمته الأساسية نقل المطالب اللبنانية وانتظار الرد الإسرائيلي، فإن دوره يصبح أقرب إلى ناقل لموقف الدولة منه إلى مفاوض يصنع التسوية.
وهنا تقع إحدى أكثر العقد حساسية: ماذا يستطيع الوفد أن يضمن؟ إسرائيل لا تريد فقط تعهدات لبنانية، بل تريد معرفة من يستطيع تنفيذ هذه التعهدات.
إذا تعهد لبنان بانتشار الجيش، فالأمر واضح نسبياً. لكن عندما تصل المفاوضات إلى قضايا مثل منع عودة “حزب الله” إلى مناطق معينة، أو ضبط السلاح، أو ضمان ترتيبات أمنية طويلة الأمد، فإن الأمر يتجاوز صلاحيات الوفد.
وهنا يستطيع الطرف الإسرائيلي أن يسأل: هل يستطيع الوفد اللبناني أن يضمن ما يتعهد به؟ هذا سؤال مشروع في أي مفاوضات.
فالوفد لا يستطيع أن يقدم ضماناً في مسألة لا تملك الدولة اللبنانية نفسها كل أدوات تنفيذها.
اقرأ أيضا: هرمز، حماقة الأيدليولوجيا ودهاء التاريخ
ومن هنا تظهر أهمية التفويض. المفاوض القوي يحتاج إلى هامش مناورة. يحتاج إلى أن يستطيع قبول اقتراح، أو رفضه، أو تقديم بديل، أو الدخول في مقايضة، من دون أن تتحول كل خطوة إلى ضرورة للعودة إلى نقطة الصفر.
فما هو هامش الوفد اللبناني؟ هل يستطيع تقديم تنازلات؟ هل يستطيع تعديل الموقف اللبناني؟ هل يستطيع أن يعرض ترتيبات جديدة؟ هل يستطيع أن يقبل صيغة نهائية إذا كانت تحقق المصالح الأساسية للبنان؟
إذا كان الأمر مرتبطاً بسقف سياسي لا يستطيع تجاوزه، فإن السؤال عن كفاءة الوفد يصبح أقل أهمية من السؤال عن حدود التفويض الذي أعطي له… هنا تظهر المعضلة الأساسية.
في 5 آب/ أغسطس 2025، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بتكليف الجيش وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام.
وفي 5 أيلول/ سبتمبر، رحّب مجلس الوزراء بالخطة التي وضعتها قيادة الجيش لتنفيذ قرار بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، مع مراحل متتالية وتقارير دورية ترفع إلى الحكومة.
ثم جاء قرار 2 آذار/ مارس 2026 ليذهب أبعد، إذ حظر مجلس الوزراء النشاطات الأمنية والعسكرية لـ”حزب الله”، وألزمه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر نشاطه في المجال السياسي، وطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات الفورية لتنفيذ القرار. أي أن الدولة اللبنانية لم تكن تجهل ما يفترض أن تفعله. لقد اتخذت قرارات متلاحقة باتجاه هدف واحد: حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن المشكلة أن التفاوض مع إسرائيل يتقدم فيما لم يتحول هذا المسار الداخلي إلى واقع مكتمل. وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الضعف في الموقف اللبناني التفاوضي.
وبالتالي، فإن تنفيذ القرارات اللبنانية ليس ملفاً داخلياً منفصلاً عن التفاوض. يمكنه أن يقدم التزامات أمنية، لكن إذا كانت بعض هذه الالتزامات تحتاج إلى توافقات أو إجراءات داخلية لم تكتمل، فإن قوة التعهد تتراجع. وهنا لا تعود المشكلة في مهارة المفاوض. إنها في الفجوة بين القرار والقدرة على التنفيذ.
وإذا انعقدت الجولة الثامنة، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط ماذا ستطلب إسرائيل وماذا سيرفض لبنان. يجب مراقبة شيء آخر: هل سيصل الوفد اللبناني ومعه إنجازات لبنانية فعلية يمكن تحويلها إلى أوراق تفاوضية؟ هل تقدمت الدولة في تنفيذ قراراتها؟ هل أصبحت حصرية السلاح أكثر واقعية؟ هل بات انتشار الجيش جزءاً من واقع أمني لا مجرد خطة؟ هل تستطيع الحكومة تقديم ضمانات قابلة للتحقق؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن موقع الوفد سيتغير. أما إذا عاد الوفد إلى الطاولة بالمطالب نفسها، فيما لا تزال الدولة عاجزة عن تنفيذ ما قررته هي نفسها، فسيكون من الصعب فصل التعثر التفاوضي عن العجز الداخلي.
اقرأ أيضا: بعد الزلزال الكبير، إندونيسيا تدعو سكان جزيرة فلوريس إلى الإخلاء الفوري خشية “تسونامي”
