د. مؤيد جبير محمود
في بداية عهده، دخل علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة بخطاب مختلف نسبياً عن الخطاب التقليدي الذي اعتاده العراقيون من الحكومات المتعاقبة، تحدث عن الإصلاح، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتقليل الهدر، في وقت كانت فيه الدولة تدخل مرحلة اقتصادية ومالية صعبة. ولذلك فإن الحديث عن الاتجاه إلى تعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تفصيل يتعلق بتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة. فالقضية تكتسب أهميتها من السياق الذي تأتي فيه، ومن التناقض الظاهر بين حكومة تتحدث عن تقليص الإنفاق والإصلاح، وبين توسيع محتمل في المواقع العليا للسلطة التنفيذية.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – مشاهد توثق استهداف مسيرات القوات المسلحة اليمنية لعناصر مليشيا الحوثي غرب مأرب
لكن السؤال الأهم يبدأ من مكان آخر: هل كان الزيدي يريد أصلاً هذه المناصب؟ فقد نُقل في وقت سابق أن رئيس الوزراء رفض مقترح استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء. وإذا كان الموقف قد تغير لاحقاً، فإن التحول نفسه يصبح أكثر أهمية من القرار. ماذا تغير بين الموقفين؟ هل ظهرت حاجة فعلية إلى إعادة توزيع المسؤوليات داخل الحكومة؟ أم أن التوازنات السياسية فرضت على رئيس الوزراء إعادة النظر في موقفه؟ وإذا كانت هناك قوى سياسية تدفع باتجاه هذه المناصب، فمن هي، وما الذي تريده منها؟ وهل يتعلق الأمر بالكفاءة الإدارية، أم بتمثيل سياسي لقوى ومكونات تريد أن يكون لها موقع مباشر داخل مركز القرار التنفيذي؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة. رئيس الوزراء في العراق لا يعمل منفرداً في صناعة القرار، حتى وإن كان يمتلك دستورياً موقعاً محورياً في السلطة التنفيذية. فهو يعمل داخل منظومة سياسية أنتجت الحكومة نفسها، وتقوم بدرجة كبيرة على التوافق بين قوى مختلفة. ولذلك فإن قدرة الزيدي على تنفيذ مشروعه لا تتحدد فقط بما يريده، وإنما أيضاً بما يستطيع تمريره والحفاظ عليه داخل هذه المنظومة، وقد يكون قبول بعض الترتيبات السياسية جزءاً من محاولة لتأمين الاستقرار وتجنب صدام مبكر مع القوى التي يحتاج إليها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الترتيبات من وسيلة لإدارة الخلاف إلى قاعدة تتحكم في شكل الحكومة ومراكز القرار فيها.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل يستطيع الزيدي أن يستخدم التوافق السياسي لخدمة الإصلاح، أم أن التوافق سيستخدم الإصلاح لتقييد الزيدي؟ الفارق بين الاحتمالين كبير. ففي الحالة الأولى يكون التنازل السياسي محدوداً ومحسوباً، ويهدف إلى الحفاظ على مساحة حركة يستطيع رئيس الوزراء من خلالها تنفيذ برنامجه. أما في الحالة الثانية، فإن كل تنازل جديد يضيف قيداً جديداً على مشروعه، إلى أن يجد نفسه يدير الدولة وفق القواعد نفسها التي قال إنه يريد إصلاحها.
وتزداد حساسية المسألة بسبب الوضع المالي. العراق يواجه ضغوطاً على الإيرادات والرواتب، وأزمة في تصدير النفط نتيجة الظروف الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، بينما لا تزال البدائل المتاحة لتأمين مستويات التصدير السابقة محدودة. وفي مثل هذا الظرف، لا ينظر المواطن إلى المناصب العليا باعتبارها شأناً سياسياً منفصلاً عن الأزمة الاقتصادية. فإذا كانت الحكومة تطلب من مؤسسات الدولة والمجتمع تحمل إجراءات التقشف وترشيد الإنفاق، فإن أي توسع في المناصب العليا سيحتاج إلى تفسير واضح: ما الحاجة الفعلية إليه؟ وما الكلفة التي تترتب عليه؟ وهل سيضيف قدرة حقيقية إلى الحكومة، أم أنه مجرد استجابة لتوازنات سياسية؟
المشكلة هنا ليست في قيمة الرواتب والمخصصات التي قد تترتب على أربعة مناصب فقط، وإنما في الدلالة السياسية للقرار، فالإصلاح المالي لا يقاس فقط بما توفره الحكومة من أموال، وإنما أيضاً بقدرتها على تغيير طريقة النظر إلى الإنفاق العام. عندما يشعر المواطن أن الحكومة تطلب منه تحمل الأزمة، بينما تستمر آليات توزيع المواقع السياسية بالطريقة نفسها، فإن الفجوة بين خطاب الإصلاح والممارسة قد تصبح أكبر من أي وفر مالي يمكن تحقيقه.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأصعب المتعلق بمشروع الزيدي نفسه، هل ما نراه الآن يعني أنه تراجع عن اندفاعه الإصلاحي؟ أم أن الرجل انتقل من مرحلة إطلاق المشروع إلى مرحلة اختبار شروط تنفيذه؟ ليس من الدقة الحكم عليه من قرار واحد، لأن الإصلاح السياسي لا ينجح بالخطاب وحده، كما أن التنازل السياسي لا يعني بالضرورة التخلي عن الإصلاح. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الاتجاه الذي ستسير فيه هذه التنازلات: هل ستظل محدودة ومؤقتة، أم ستتحول إلى نمط دائم في إدارة الحكومة؟
وهنا تحديداً تصبح مكافحة الفساد أكثر تعقيداً من مجرد فتح ملفات أو ملاحقة مسؤولين. فإذا كان الزيدي يريد فعلاً استرداد المال العام وتغيير طريقة إدارة الدولة، فسوف يصطدم، عاجلاً أم آجلاً، بمصالح مرتبطة بهذه الطريقة نفسها. ولذلك فإن نجاحه لن يقاس بعدد القضايا التي تفتحها الحكومة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى شبكات المصالح التي تجعل الفساد قابلاً لإعادة إنتاج نفسه. وهذا يحتاج إلى استقلال في القرار، وإلى أدوات مؤسسية، وإلى قدرة سياسية على تحمل ردود الفعل الناتجة عن الإصلاح.
اقرأ أيضا: خلاف على الطريق يتحول بمشاجرة دامية، ضبط 4 أشخاص اعتدوا على مخرج بكورنيش المعصرة
من هنا يمكن النظر إلى قضية النواب الأربعة باعتبارها اختباراً مبكراً وليس حكماً نهائياً على تجربة الزيدي. فإذا كان قبول هذه المناصب جزءاً من تسوية سياسية محدودة تتيح له الاستمرار في برنامجه، فقد يكون الأمر براغماتية سياسية يمكن فهمها. أما إذا بدأنا نرى أن كل خطوة إصلاحية تتراجع أمام متطلبات التوافق، وأن توزيع المواقع السياسية يصبح أقوى من منطق الكفاءة والإصلاح، فإن المشكلة ستكون أعمق من أربعة نواب.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: من سيكون النواب الأربعة؟ بل: من الذي يحدد شكل السلطة التنفيذية في العراق: رئيس الوزراء الذي يملك المشروع، أم القوى السياسية التي تملك القدرة على تعديل شروط تنفيذ هذا المشروع؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للزيدي في المرحلة المقبلة، فإما أن يستطيع التوفيق بين ضرورات التوافق وبين مشروعه الإصلاحي، بحيث يستخدم التوافق للوصول إلى التغيير، وإما أن يجد نفسه أمام معادلة مختلفة: أن التوافق الذي احتاج إليه للبقاء في السلطة بدأ يفرض عليه حدود الإصلاح نفسه.
وعندها لن يكون السؤال: هل تراجع الزيدي؟
بل سيكون السؤال الأعمق: هل يستطيع رئيس الوزراء أن يغيّر قواعد النظام من داخل النظام، أم أن قواعد النظام أقوى من مشروع رئيس الوزراء؟
The post أربعة نواب لرئيس الوزراء.. هل بدأ النظام السياسي يفرض منطقه على الزيدي؟ appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: ألفاريز وبالدي في الصورة.. موقف مفاجئ من لابورتا قبل مواجهة إلتشي
