أخطر عقوبات أميركية على إيران: تضرب اقتصاداً بلا هوامش

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ليست خطورة الجولة الأميركية الجديدة من العقوبات على إيران وأعوانها في عدد الأسماء التي أضيفت إلى اللوائح. فقد عاشت إيران عقوبات أشد عدداً، ونجحت مراراً في الالتفاف عليها. المختلف اليوم هو التوقيت وطبيعة الهدف: واشنطن تضيف اليوم حصاراً مالياً على اقتصاد أنهكته الحرب، تعطّلت فيه التجارة حتى الخفية، وانهارت فيه العملة، وارتفع فيه التضخم، وتراجعت القدرة على تصدير النفط، حتى للدول المناصرة.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – مدير شرطة الفيوش بلحج يطالب بإحالة متهمين بمحاولة اغتياله إلى القضاء

يتوقع صندوق النقد الدولي حالياً انكماش الاقتصاد الإيراني 5.4% في 2026، وارتفاع أسعار المستهلكين 68.9%. وفي نيسان/أبريل المنصرم، هبط الريال الإيراني إلى مستوى قياسي بلغ نحو 1.81 مليون ريال للدولار، فيما سجل مليوني ريال للدولار الإثنين، حتى قبل صدور العقوبات. ووصل التضخم السنوي إلى 65.8%. ويقول إن الاقتصاد انكمش 2.7% في السنة الإيرانية المنتهية في آذار/مارس 2026، قبل أن تتفاقم أضرار الحرب والتجارة. 

تقلّصت قدرة طهران على امتصاص الصدمات

هذا هو الفارق الأول مع جولات سابقة. في مرحلة “الضغط الأقصى” بعد 2018، كانت المشكلة الأساسية كيفية إخراج النفط الإيراني من السوق. اليوم جزء من هذا العمل أنجزته الحرب والحصار البحري عملياً. فقد تراجعت شحنات النفط الإيرانية في آب/أغسطس إلى نحو 534 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط يقارب 1.4 مليون برميل يومياً في 2025، فيما تقلص المخزون الإيراني العائم خارج منطقة الحصار من نحو 105 ملايين إلى 80 مليون برميل، وفقاً لـ”رويترز”.

إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران، 28 أبريل 2026 (رويترز)

ويقول البيت الأبيض إن الحصار البحري المفروض على موانئ إيران يكبد الاقتصاد الإيراني 500 مليون دولار يومياً. 

بعبارة أبسط: العقوبات الجديدة لا تبدأ من الصفر؛ إنها تضغط على اقتصاد فقد قسماً كبيراً من تدفقاته الدولارية من اقتصاد الظل والالتفاف على العقوبات. وهنا يصبح كل دولار إضافي يصعب تحصيله أكثر قيمة مما كان عليه قبل سنوات.

معاقبة “طرق الهرب”

التحول الأهم هو أن الخزانة الأميركية وسعت قابلية فرض العقوبات الثانوية إلى خمسة قطاعات جديدة: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران والشحن. هذا بالغ الأهمية، لأن هذه القطاعات تحديداً أصبحت، بدرجات مختلفة، بدائل تستخدمها طهران عندما يُغلق باب البنوك التقليدية أو تجارة النفط المباشرة. وبموجب القرارات الجديدة، تستطيع واشنطن استهداف أشخاص وشركات أجنبية تعمل في هذه القطاعات أو تقدم لها خدمات مرتبطة بإيران.

هذه مقاربة مختلفة عن عقوبات “شركة إيرانية + بنك إيراني + ناقلة إيرانية”. فالفكرة اليوم هي ضرب “منظومة التحايل” نفسها: الوسيط، شركة الشحن، المسجل البحري، الممول، شركة الواجهة، مشتري النفط، وحتى القناة المستخدمة لتحويل العائدات إلى ذهب أو عملات رقمية.

قضية Wellbred Capital مثال واضح: الشركة مقرها سنغافورة، وتقول الخزانة الأميركية إنها مرتبطة بشبكة محمد حسين شمخاني، نجل علي شمخاني المستشار الأعلى للمرشد الإيراني، التي تنقل النفط والمنتجات الإيرانية والروسية وتدر عليه مليارات الدولارات. هذا النوع من العقوبات يضرب “الواجهة النظيفة” التي سمحت سابقاً للشبكات الإيرانية بالاندماج في التجارة الدولية.

اقرأ أيضا: دورة ألعاب البحر المتوسط، منتخب مصر لليد يفوز على كوسوفو بنتيجة كبيرة

عملياً، أكثر ما يقلق الشركات ليس تجميد أصولها داخل الولايات المتحدة، بل أن تصبح أمام خيار من اثنين: السوق الإيرانية أم النظام المالي بالدولار؟ لقد أبلغت وزارة الخزانة دولاً أنها ستمنحها مهلاً محددة لإنهاء أنشطة مرتبطة بإيران، وهددت بعزل المؤسسات التي تسهّل غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات عن النظام المالي الأميركي. وهذا يولّد ما يعرف في الأسواق بـ”الامتثال المفرط”: بنك أو شركة تأمين أو ميناء قد يرفض معاملة قانونية أصلاً لأنه لا يريد المخاطرة بالاقتراب من إيران. عندها، ترتفع تكلفة التمويل والشحن والتأمين، وتزداد الحسومات التي يطالب بها مشترو النفط، ويصبح تحصيل الأموال أصعب.

صرافات آلية لأحد البنوك الإيرانية في شارع بطهران. (أ ف ب)

ثمة عقوبات أقسى بعد!

مع ذلك، هناك مبالغة في القول إن واشنطن أطلقت بالفعل أقسى أسلحتها. فهي لم تستهدف حتى الآن المصارف الصينية الكبرى التي يمكن أن تكون الحلقة الحساسة في تجارة النفط الإيراني. فالصين تشتري أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، لذلك قد تكون أشد العقوبات تهديداً من سابقاتها، لكن فعاليتها النهائية ستُقاس بما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلاً لمعاقبة المؤسسات الصينية الكبيرة، لا الشركات والناقلات الصغيرة فقط.

إذاً، إيران ليست أمام عقوبات أقوى فحسب؛ بل أمام عقوبات تضربها بعدما استُنزفت وسائل مقاومتها الاقتصادية. وتدعم بيانات برنامج الأمم المتحدة للتنمية حجم الهشاشة الاجتماعية: أكثر من 5 ملايين إيراني معرضون للانزلاق الى ما دون خط الفقر، مع احتمال ارتفاع معدل الفقر من 36 إلى 41.5%. كما أعلنت 120 شركة إيرانية كبيرة أفلاسها في النصف الأول من العام الحالي، بحسب اتحاد الأعمال الافتراضية. وتقول غرفة التجارة والصناعة الإيرانية إن 4000 منشأة صناعية أغلقت أبوابها بسبب الحرب، فيما يقول البنك المركزي الإيراني إن 6 بنوك إيرانية مهددة بالإفلاس الفعلي. 

لذلك، يمكن تلخيص جولة العقوبات الحالية بجملة واحدة: في الماضي كانت واشنطن تحاول تجفيف موارد إيران؛ اليوم تحاول تجفيف الموارد وطرق الالتفاف عليها في اللحظة نفسها، بينما الاقتصاد الإيراني أقل قدرة من أي وقت قريب على دفع ثمن الانتظار.

اقرأ أيضا: الأمم المتحدة تدين الهجوم الذي أدى لمقتل اثنين من حفظة السلام في جنوب السودان

‫0 تعليق

اترك تعليقاً