كان ابن عمي إلياس يكبر وهو يؤمن بأن الرقم 10452 رقم مقدس. فمنذ طفولته، لم يرث مجرد انتماء سياسي، بل ورث أسطورة كاملة. وكثيرًا مثل أبناء جيله من المسيحيين، كان يقدّس بشير الجميل، الرئيس اللبناني المنتخب المنتمي إلى حزب الكتائب، الذي اغتيل عام 1982، قبل أن يبلغ إلياس سنًا تسمح له بمعرفته. ومع ذلك، أصبح بشير الرجل الذي كُتب عليه أن يقضي حياته في رثائه. بالنسبة إلى إلياس، كان بطله يجسّد فكرة واحدة قبل أي شيء آخر: لبنان المحصور داخل حدوده البالغة 10452 كيلومترًا مربعًا، لبنان الواحد غير القابل للتقسيم، السيد، الذي لا يدين بالولاء إلا لنفسه.
لسنوات طويلة، منحته هذه القناعة شعورًا باليقين. أخبرته من يكون، وإلى أين ينتمي، وما الذي يستحق الدفاع عنه.
لكن شيئًا ما تغيّر مؤخرًا.
فمع دخول فكرة الفيدرالية تدريجيًا إلى الخطاب السياسي لدى شريحة واسعة من الساحة المسيحية، بما في ذلك شخصيات بارزة داخل حزب القوات اللبنانية، وجد إلياس نفسه في أرض غير مألوفة. ليس لأنه تخلّى فجأة عن مبادئه، ولا لأنه يرى أن النظام القائم يستحق البقاء، بل لأن فكرة إعادة تنظيم لبنان إلى كيانات تتمتع بحكم ذاتي بدت له وكأنها ابتعاد هادئ عن الحلم الذي قاده أصلًا إلى القوات اللبنانية: وطن واحد سيد، تمتد سيادته على كامل مساحة 10452 كيلومترًا مربعًا، ويملك جميع مواطنيه هذه الأرض على قدم المساواة.
وسواء كان هذا الانطباع دقيقًا من الناحية السياسية أم لا، فذلك ليس بيت القصيد. المهم أن الحركة التي علّمته كيف يرى لبنان لم تعد، في نظره، تتحدث اللغة نفسها. صحيح أن الفيدرالية كانت دائمًا أحد التيارات الفكرية داخل بعض أوساط الخيال السياسي المسيحي اللبناني، بما في ذلك القوات اللبنانية، لكنها لم تُطرح يومًا بهذا القدر من الصراحة، ولم تحظ بهذا المستوى من الثقة والقبول. في مكان ما، بين كلمات بشير وخطاب اليوم، انقطع الخيط.
وأنا أيضًا أنتمي إلى ذلك الجيل. مثل ابن عمي، نشأت وأنا أؤمن بأن 10452 كيلومترًا مربعًا ليست مجرد مساحة جغرافية، بل وعد، وحق بالولادة، وأقرب إلى وصية أخلاقية. وعندما راقبت إلياس خلال الأشهر الماضية، أدركت أن ما يعيشه أكبر بكثير من مجرد خيبة شخصية. لقد أصبح يتيمًا سياسيًا. ليس لأنه غيّر معسكره، بل لأن المعسكر الذي ورثه تغيّر من حوله.
القومية العربية لم توحد العرب. والإسلام السياسي كثيرًا ما أفضى إلى السلطوية بدلًا من العدالة.
هذه الحالة لا تخص إلياس وحده. إنها تتكرر، بهدوء ولكن بلا هوادة، في أنحاء لبنان كلها: الشيوعي السابق الذي لم يعد يتعرف إلى يسار بات مستعدًا لتبرير السلطوية. ومؤيد حزب الله الذي كان يعتقد أنه يدافع عن لبنان، ثم بدأ يتساءل إن كان لبنان أصلًا هو الأولوية. ومناصر تيار المستقبل الذي وجد نفسه بلا تيار. والناشط في التيار الوطني الحر الذي دخل السياسة باسم الإصلاح، ثم رأى الحركة نفسها تتحول إلى ما وعدت بمحاربته. وحتى المحتج المستقل الذي نزل إلى الشارع في 17 تشرين الأول/أكتوبر معتقدًا أن ثقافة سياسية جديدة قد وُلدت أخيرًا، قبل أن يراها تتشظى قبل أن تصبح بديلًا سياسيًا حقيقيًا.
قد يواصل هؤلاء التصويت بالطريقة نفسها. وقد يستمرون في الدفاع عن القادة أنفسهم. وربما تبقى الأعلام نفسها معلقة على جدران منازلهم. لكن في أعماقهم، تغيّر شيء ما. فما زال البيت قائمًا، لكنه لم يعد يبدو بيتًا.
هذا الشعور بخيبة الأمل ليس حكرًا على اللبنانيين. لكن لبنان يحمل عبئًا إضافيًا. فللمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية، أصبحت حتى هيئة الدولة نفسها جزءًا من الجدل السياسي. ولم يعد النقاش يقتصر على من يجب أن يحكم لبنان، بل امتد إلى السؤال: ماذا ينبغي أن يصبح لبنان؟ الفيدرالية، التي كانت يومًا طرحًا هامشيًا، أصبحت اليوم موضوعًا للنقاش العلني. كما دخلت فكرة “لبنان الجديد” إلى القاموس السياسي الوطني، حتى وإن لم يتفق أحد على معناها. وفي هذا السياق، لم تعد 10452 كيلومترًا مربعًا مجرد حقيقة جغرافية، بل أصبحت سؤالًا.
انهيار اليقين
لكن لبنان ليس وحده. ففي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تتفكك اليقينيات السياسية الموروثة. فعلى مدى عقود، بُنيت المنطقة على يقينيات كبرى. كل جيل كان يرث وعدًا شاملًا. لم يكن الوعد بحسن الإدارة أو بكفاءة المؤسسات، بل باليقين نفسه. فقدمت الحركات السياسية تفسيرات مكتملة للعالم: من هو العدو، ومن هو البطل، ومن يستحق الولاء، ومن يستحق الكراهية، وإلى أين تتجه حركة التاريخ حتمًا. وكان اختيار المعسكر يعني اختيار هوية جاهزة. فالقومية العربية وعدت بالوحدة والكرامة. والإسلام السياسي وعد بالعدالة عبر الدين. وما يُعرف بمحور المقاومة وعد بالتحرر من الهيمنة الأجنبية. أما التدخل الليبرالي الغربي فوعد بالديمقراطية. وحتى العقيدة الأمنية الإسرائيلية وعدت بأن التفوق العسكري الساحق سيقود في نهاية المطاف إلى السلام.
لم تختفِ أي من هذه السرديات تمامًا، لكنها جميعًا فقدت جزءًا من قدرتها على الإقناع.
فالقومية العربية لم توحد العرب. والإسلام السياسي كثيرًا ما أفضى إلى السلطوية بدلًا من العدالة. أما محور المقاومة، فقد بات يخدم على نحو متزايد مصالح جيوسياسية يجد كثير من أنصاره أنفسهم عاجزين عن التوفيق بينها وبين القضايا الوطنية التي ادعى الدفاع عنها. وفي المقابل، بددت الديمقراطيات الغربية جانبًا كبيرًا من السلطة الأخلاقية التي طالما ادّعتها، بسبب تطبيقها الانتقائي والصارخ للقانون الدولي. أما إسرائيل، فما زالت تكتشف أن الانتصارات العسكرية في ساحات القتال لا تنتج تلقائيًا حلولًا سياسية. الجميع فقد وهمًا. وقلة قليلة فقط وجدت وهمًا جديدًا.
الأمم، مثل البشر، تبلغ رشدها يوم تتوقف عن انتظار من ينقذها.
وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة مقلقة إلى هذا الحد. فالمنطقة لا تعيش مجرد حروب أو أزمات اقتصادية أو تبدلات في التحالفات، بل تشهد في الوقت نفسه تآكل السرديات التي منحت ملايين الناس، لعقود، شعورًا بالغاية والانتماء. إن الشرق الأوسط اليوم يعاني نقصًا في الرؤى المستقبلية القابلة للتصديق، وفي الأفكار القادرة على إلهام جيل جديد. ما زالت الأحزاب تملأ ساحات التجمعات. وما زال قادتها يحصدون التصفيق. وما زالت شعاراتها تُردد. لكن العلاقة بين الحركات السياسية وأنصارها تغيّرت. فشيئًا فشيئًا، أصبح الولاء يستمر حتى حين يتلاشى الاقتناع.
والنتيجة منطقة تعج بمواطنين أصبحوا بلا مأوى سياسي داخل الحركات نفسها التي ما زالوا ينتمون إليها.
ما بعد اليتم السياسي
لكن الأيتام السياسيين نادرًا ما يبقون أيتامًا إلى الأبد. فالتاريخ يعلمنا أن كل فراغ أيديولوجي يجذب أنبياء جدداً. وكل انهيار في منظومة الاعتقاد يخلق سوقًا لمعتقدات بديلة. وفي أنحاء المنطقة، تتنافس بالفعل قوى جديدة على وراثة هذا الولاء المتروك. بعضهم يعد بالأمن، وآخرون يعدون بالانتقام. تتغير الشعارات، لكن الإغراء يبقى واحدًا: استبدال يقين مطلق بآخر.
لذلك، فإن التحدي الذي يواجه الشرق الأوسط لا يقتصر على دفن السرديات التي استنفدت عمرها، بل يتمثل أيضًا في مقاومة الرغبة في اعتناق سرديات جديدة على الفور. فقد أمضت المنطقة قرنًا كاملًا وهي تبحث عن آباء: آباء مؤسسين، وآباء ثوريين، وآباء عسكريين، وآباء دينيين، وآباء كاريزميين، وآباء شهداء. وربما آن الأوان أخيرًا للتوقف عن البحث عن الآباء، والبدء في بناء المؤسسات.
لا أعرف إن كان لبنان سيظل غدًا يُعرَّف بالمساحة نفسها، 10452 كيلومترًا مربعًا، التي شكّلت خيال جيلي السياسي. ولا أعرف إلى أين ستقود رحلة إلياس السياسية. لكن ذلك ليس المهم. المهم أنه، للمرة الأولى، بدأ يطرح الأسئلة بدلًا من ترديد الإجابات. ولعل السياسة الناضجة تبدأ من هنا: ليس باليقين، بل بالشك.
فالأمم، مثل البشر، تبلغ رشدها يوم تتوقف عن انتظار من ينقذها.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).
