انتقل إلى المحتوى
التعليم

مقاولو الفراغ | الحرة

نُشر: 6 دقيقة قراءة
مقاولو الفراغ | الحرة

قبل أسابيع، وعلى مائدة عشاء في أحد فنادق الخليج، طرح عليّ دبلوماسي غربي سؤالًا بدا بريئًا: “لماذا تصرّون على بقاء الأميركيين في المنطقة؟ أليس رحيلهم فرصة لكم لتملكوا أمنكم بأيديكم؟”. ابتسمت، ورحت أشرح له القاعدة الأولى التي تعلمتها من ثلاثين عامًا من مراقبة هذا الإقليم: في الشرق الأوسط، لا تسأل من يطلق الصواريخ؛ اسأل من يكتب معناها بعد سقوطها. فالحرب هنا لا تُحسم في سماء المدن، بل في الجملة التي تصف الركام في صباح اليوم التالي.

وفي صباحات الأشهر الأخيرة، منذ أن اهتزت المنطقة بحربها الأعنف منذ عقود، صارت الجملة نفسها تتردد بثلاث لهجات مختلفة. تقولها معاهد في واشنطن ولندن بإنجليزية أنيقة تسمّي نفسها “الواقعية”: أميركا منهكة، ومظلتها زائلة، وعلى دول الخليج أن “تتفاهم” مع جارتها الكبرى. وتقولها فضائيات ومنصات محسوبة على الإسلام السياسي بعربية غاضبة: الخليج تابع، وشراكاته خيانة، وانكشافه عقاب مستحق. وتقولها منابر “محور المقاومة” بنبرة الظافر: انظروا، من راهن على الغرب واحترق. ثلاث لهجات، لحن واحد، وخلاصة واحدة: ارحلي يا أميركا، وتعالي يا طهران، ولْتُحاسَب العواصم العربية التي اختارت أصدقاءها بنفسها.

الدولة التي تنجح وتزدهر وتوفر لمواطنيها حياة كريمة تسحب البساط من تحت كل من يبيع الخلاص المؤجل، سواء جاء الخلاص بعمامة سوداء أو بشعار “الإسلام هو الحل.

اسمحوا لي أن أخبركم بسرّ صغير: هذا الجوقة ليست مصادفة، وليست مؤامرة تُدار من غرفة واحدة أيضًا. إنها شيء أكثر إثارة للاهتمام – وأكثر خطرًا. إنها شركة غير معلنة أسمّيها: “مقاولو الفراغ”

فكّروا في الأمر على طريقة رجال الأعمال. كل مقاول يحتاج إلى مشروع، وكل مشروع يحتاج إلى أرض. والأرض التي يعمل عليها هؤلاء جميعًا هي الفراغ: المساحة التي تخليها الدولة حين تنهار، ويخليها الردع حين يتآكل، وتخليها أميركا حين تدير ظهرها. التنظيمات العابرة للحدود لا تزدهر في دولة قوية؛ إنها تختنق فيها. والنفوذ الإيراني لم يتمدد يومًا في فضاء مستقر؛ لقد زحف حصريًا فوق أنقاض الدول – في بيروت حين انهارت، وفي بغداد حين فُككت، وفي صنعاء حين خُذلت، وفي دمشق حين احترقت. أما منظّرو الانكفاء في واشنطن، فبضاعتهم الوحيدة هي إقناع الأميركيين بأن كل هذا الفراغ ليس مشكلتهم. ثلاثة مشاريع مختلفة، مصلحة واحدة: أن تبقى الأرض خالية.

وهنا تأتي القصة التي لا يرويها أحد: قصة التخادم الإخواني–الإيراني. على الورق، لا يوجد عداء أشد وضوحًا من عداء إسلامٍ سياسي سنّي لثيوقراطية شيعية. لكن التاريخ يروي حكاية أخرى. فمنذ منتصف القرن الماضي كانت الخيوط تُنسج بين منظّري الجماعة وملالي قم، ولما انفجرت ثورة 1979 احتفى بها الإخوان بوصفها “ثورة إسلامية” لا انقلابًا فارسيًا، وباركوها قبل أن يعرفوا اسم مرشدها الأعلى. وفي التسعينيات جلس الطرفان في مؤتمرات الخرطوم جنبًا إلى جنب تحت لافتة “مواجهة الاستكبار”. وحين احتاجت حماس – الابنة الأنجب للجماعة – إلى مال وسلاح، وجدتهما في طهران لا في عواصم “الأمة” التي تتغنى بها. عداوة مذهبية فوق المنابر، وشراكة وظيفية تحت الطاولة. والقاسم المشترك الذي يجعل هذا الزواج ممكنًا رغم كل شيء: كلاهما مشروع سلطة فوق الدولة، يرى في الدولة الوطنية العربية – لا في إسرائيل ولا في أميركا – عقبته الوجودية الحقيقية. فالدولة التي تنجح وتزدهر وتوفر لمواطنيها حياة كريمة تسحب البساط من تحت كل من يبيع الخلاص المؤجل، سواء جاء الخلاص بعمامة سوداء أو بشعار “الإسلام هو الحل”.

ثم انضم إلى الشركة، في العقد الأخير، شريكها الثالث والأغرب: تيار “ضبط النفس” الأميركي، ذلك المزيج العجيب من يسار ما بعد العراق ويمين ما قبل بيرل هاربر، الذي اكتشف أن أسرع طريق إلى قلب واشنطن المتعبة هو إخبارها بأن انسحابها فضيلة. لست أشكك في صدق كل باحث في هذا الفضاء؛ بعضهم يجادل بأمانة من موقع التجربة الأميركية المريرة. لكن انظروا إلى الميكانيكا لا إلى النوايا: الورقة التي تُكتب في واشنطن صباحًا بلغة الأكاديميا الرصينة، تُدبلج مساءً في فضائيات الإسلام السياسي بلغة التحريض، وتصل منتصف الليل إلى هواتف الملايين تغريدةً تسخر من “عواصم الوكالة”. المعهد الواشنطني يمنح الفضائية غطاءً “علميًا”، والفضائية تمنح المعهد جمهورًا لم يكن ليحلم به، وطهران تحصد الاثنين معًا: سردية جاهزة تقول إن صواريخها “رد فعل”، وإن ضحاياها “مسؤولون عن اختياراتهم”، وإن ردعها “تصعيد” ينبغي تجنبه. إنه أنجح خط إنتاج سردي في الشرق الأوسط الحديث: التنظير في واشنطن، والدبلجة في الدوحة وإسطنبول، والقبض في طهران.

أما نحن في هذه المنطقة، فسؤالنا الحقيقي لم يعد “هل تبقى أميركا أم ترحل؟” – فالأمم الجادة لا تعلّق مصيرها على مزاج ناخب في ميشيغان. سؤالنا هو: من يكتب قواعد المكان حين يغفو الحارس؟ دولٌ تبني وتردع وتتشارك المصالح، أم شركة الفراغ بفروعها الثلاثة؟

والحيلة المركزية لهذا الخط – تأملوها جيدًا لأنكم ستصادفونها كل يوم – هي قلب عبء الإثبات. في أي منطق سليم، حين تسقط الصواريخ على مدن آمنة، يُسأل من أطلقها. لكن في منطق مقاولي الفراغ، يُسأل من سقطت عليه: لماذا انكشفت؟ لماذا اخترت هؤلاء الأصدقاء؟ لماذا استفززت جارك بحمايتك لنفسك؟ هكذا يتحول العدوان إلى “رد”، ويتحول الردع إلى “توريط”، وتتحول الضحية إلى متهم يقف في قفص السرديات ليبرر جراحه. وهي حيلة لا تستهدف عاصمة خليجية بعينها؛ إنها تستهدف الفكرة التي تقف خلف كل العواصم المستقرة: فكرة أن للدولة حقًا في اختيار شركائها وبناء قوتها دون إذن من تنظيم أو مرشد أو “محور”.

القاعدة الثانية التي تعلمتها من هذا الإقليم: الفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فارغًا أبدًا. سلوا العراق عام 2011، وسلوا أفغانستان عام 2021. أميركا حين تنسحب لا تترك خلفها سلامًا؛ تترك مزادًا. ومقاولو الفراغ يعرفون ذلك أفضل من أي أحد – لهذا يزايدون منذ الآن. فالمعركة الدائرة اليوم على صفحات الرأي ومنصات التواصل ليست نقاشًا فكريًا حول “مستقبل الوجود الأميركي”؛ إنها عملية استيلاء مبكرة على المزاد، محاولة لكتابة شروط اليوم التالي قبل أن يصل إليه أحد: أميركا خارج المعادلة، والدولة الوطنية في قفص الاتهام، وإيران – التي خسرت الحرب عسكريًا – تربحها سرديًا بوصفها “الواقع” الذي لا مفر من التفاهم معه.

ولمن يقرأ هذا المقال في واشنطن، كلمة أخيرة بلغة المصالح التي تفهمونها: ثلث نفط العالم يعبر من مضيق واحد يطل عليه هذا “الواقع” الذي يُراد لكم التسليم به. حين ينسحب الضامن، لا ينخفض سعر الضمانة – بل سعر كل شيء يرتفع: الشحن، والتأمين، والطاقة، وفي النهاية فاتورة العودة الاضطرارية التي دفعتموها في كل مرة ظننتم فيها أن المحيطين يحمونكم. الانكفاء ليس توفيرًا؛ إنه قرض باهظ الفائدة تكتبه اليوم وتسدده أجيالكم غدًا.

أما نحن في هذه المنطقة، فسؤالنا الحقيقي لم يعد “هل تبقى أميركا أم ترحل؟” – فالأمم الجادة لا تعلّق مصيرها على مزاج ناخب في ميشيغان. سؤالنا هو: من يكتب قواعد المكان حين يغفو الحارس؟ دولٌ تبني وتردع وتتشارك المصالح، أم شركة الفراغ بفروعها الثلاثة؟ التاريخ لا يمنح هذا الإقليم رفاهية الإجابات المؤجلة. والفراغ، ككل عقار ثمين في موقع استراتيجي، له دائمًا مشترون ينتظرون عند الباب – وقد رأينا وجوههم، وسمعنا لهجاتهم الثلاث، ونعرف تمامًا لحساب من يعملون.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

شارك Facebook X Telegram

الأكثر قراءة

  1. السيسي من مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة: ثورة 30 يونيو كانت معركة ضد الإرهاب لتحقيق حلم المصريين
  2. من هو ناير ناجي.. المايسترو المصري الذي قاد الأوركسترا في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية
  3. السيسي يوجه الحكومة بفتح المجال العام للحوار الاعلامي وسماع الرأي والرأي الآخر
  4. مواقيت الصلاة اليوم الجمعة 10 يوليو 2026 في القاهرة والمحافظات
  5. السيسي من الأوكتاجون: مصر لن تنحني إلا لله ولن تسمح بالمساس بأمنها القومي
  6. السيسي يفتتح مقر القيادة الاستراتيجية ويؤكد ان التكاتف والعمل الجاد طريق التقدم

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *