بعد أيام من قرار أوبك+ زيادة الإنتاج، أعادت جولة جديدة من التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران “أزمة النفط” إلى المربع الأول. توقفت تقريبا حركة العبور في مضيق هرمز، وبدا أن الضربات المتبادلة تستخف بقرار كان تأثيره في الأصل محل شكوك.
قبل التطورات الأخيرة، والإغلاق العملي للمضيق، كانت المشكلة أن السفن العابرة، على قلتها، راحت تسلك مسارات أضيق، بوتيرة أبطأ، وبكلفة أعلى.
وكانت تلك التغيرات ما جعل قرار أوبك+ رفع أهداف الإنتاج ابتداءً من أغسطس بنحو 188 ألف برميل يومياً أقل طمأنة للأسواق مما بدا في البيان الرسمي.
وبصرف النظر عن قرار المنظمة، أو التطورات اللاحقة، فقد بات أي قرار بزيادة الإنتاج يصطدم بسقف تحدده الممرات وليس الآبار، فالبرميل الإضافي يمكنه تهدئة السوق فقط إذا أتيح له عمليا أن يُضخ، ويُحمّل، ويجد شركة شحن مستعدة لنقله، ثم يعبر ممرا آمنا ليصل إلى المستوردين.
في حديثها لـ“الحرة”، تؤكد إليزابيث براو، الباحثة في المجلس الأطلسي، أن أحداً لا يملك يقيناً بشأن اتجاه الوضع في مضيق هرمز، لا حتى الولايات المتحدة أو إيران. فهناك وقف لإطلاق النار قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه انتهى، وهناك حركة ملاحة، لكنها توقفت مجددا بعدما كانت تقلصت وتغيرت.
قبل اتساع التصعيد خلال الأيام الأخيرة، كان نحو 30 سفينة تعبر هرمز يومياً، بعدما كان العدد سابقاً بين 130 و140 سفينة، وتكشف تلك الأرقام بوضوح أن قدرة المضيق على تمرير الطاقة، حتى وهو مفتوح، تراجعت كثيرا عما كانت قبل الحرب.
بدلا من الممرين الواسعين وسط المضيق، باتت السفن تتحرك عبر 4 مسارات أضيق: مساران قرب عُمان، ومساران قرب إيران، وهو تغير كان يسمح باستمرار الحركة، لكنه يبقى عاجزا عن توفير القدرة السابقة، ويجعل العبور أبطأ وأقل كفاءة وأكثر عرضة للتأخير.
وثّق تقرير لـWindward، حصلت عليه “الحرة”: ما جرى بالتفصيل. في ليلة 6 – 7 يوليو، استُهدفت ناقلتان محملتان على مسار خروج معتمد عبر المضيق: ناقلة غاز مسال قطرية، وناقلة نفط خام عملاقة مملوكة سعودياً.
وبعد الضربة، أظهرت بيانات ومصادر في قطاع الشحن البحري أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز باتت شبه متوقفة مجددا، وهكذا باتت السوق أمام تهديد فعلي جديد.
وحتى إذا هدأت الضربات المتبادلة وعادت السفن للعبور، وبقي الطريق أضيق، والمخاطر أعلى، وشركات الشحن أكثر حذراً، سيصبح أثر زيادة الإنتاج محدوداً. وزيادة أوبك+ الأخيرة قد تضغط على السعر، لكن هرمز يضيف سعراً آخر: سعر الخطر.
الحل في كل الحالات يتجاوز التأمين بحسب براو، فالتأمين متاح، وشركات الشحن معتادة على العمل في مياه خطرة، وهي تنظر أولاً إلى الخطر على السفن والبحارة، لذلك ينبغي أن يتركز الاهتمام على من يجرؤ على نقل النفط، وبأي كلفة؟
والمعضلة أن لا بدائل يمكن أن تعوض هرمز. وخطوط الأنابيب أو الشاحنات عاجزة عملياً عن نقل الكميات التي تخرج عادة من مياه الخليج. وهذا يجعل المضيق، رغم أي مخاطر، طريقا لا يمكن تجاوزه سريعاً.
حسابات إيرانية
على الجانب الشرقي للمضيق تطل حسابات أخرى، فإيران تحتاج هرمز مفتوحا، وقد تجعل عبوره مدفوع الثمن.
وسبق أن تحدثت طهران بالفعل عن رسوم عبور، وأنشأت جهة لإدارتها، والإشكالية تتجاوز هنا المقابل المالي إلى نقطة شائكة أخرى: من يملك حق تنظيم الطريق البحري الأهم لنفط الخليج؟
بحسب براو، قد يقبل ترامب برسوم إيرانية على الممر المركزي فقط بهدف إعادة حركة السفن، وفتح باب اتفاق ينهي الحرب.
ويكشف ذلك التصور ضيق الخيارات أمام واشنطن: فرفض الرسوم قد يعيد التصعيد، وقبولها قد يضعف مبدأ حرية الملاحة.
قانونياً، تقول براو إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنع فرض رسوم على المرور، لكن واشنطن لم تصادق عليها، وإيران خارجها. وبعدما رضخت طهران دائما لقاعدة عدم فرض الرسوم، قد يكون الادعاء الآن أن قواعد اللعبة تغيرت.
وفي الوقت نفسه، أظهر تقرير Windward أن جزيرة خرج، قلب التصدير الإيراني، كانت تعمل بمحطاتها الثلاث، وبهذا تظهر إيران في موقع مزدوج: تبيع نفطها، وتفاوض على طريق نفط الآخرين.
لهذا، سيطلق قرار أوبك+، عند عودة الحركة إلى هرمز، دورة جديدة للمشكلة ذاتها، فإذا زاد المعروض، وبقي الطريق أبطأ أو أغلى أو مرهونا سياسياً، سيأكل هرمز أثر الزيادة، ففي سوق كهذه، لم يعد البرميل وحدة القياس الوحيدة، والطريق صار جزءا حاكما من السعر.
والسؤال بات اليوم يتجاوز: كم سعر برميل النفط؟ إلى كم يكلف إخراجه من مياه الخليج؟
