بالأرقام.. هرمز يلقي بظلاله على موزانات الخليج

بالأرقام.. هرمز يلقي بظلاله على موزانات الخليج

أعلنت الكويت في أحدث نتائجها المالية الصادرة أمس الأربعاء، تسجيل عجز مالي بلغ 7.14 مليار دينار (نحو 23 مليار دولار) في ميزانيتها للسنة المالية المنتهية في 31 مارس 2026، وهو أعلى مستوى منذ جائحة كورونا.

وقد قفز عجز الميزانية الكويتية بأكثر من 600% مقارنة بالسنة المالية السابقة، مدفوعا بانخفاض الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق الحكومي.

وتكتسب النتائج المالية الكويتية أهمية خاصة كونها أول مؤشر يصدر من دول الخليج عن الربع الثاني من العام، بعد مرحلة شهدت هجمات إيرانية واضطرابات في صادرات النفط والغاز نتيجة تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.

وكانت الكويت من بين الدول الخليجية التي أعلنت حالة القوة القاهرة على شحنات النفط والمنتجات النفطية، كما فعلت قطر الشيء نفسه فيما يتعلق ببعض عقود الغاز الطبيعي المسال، قبل أن تلحق بهما البحرين بإجراء مماثل.

وإذا كانت نتائج الربع الأول قد أظهرت اتساع العجز في عدد من اقتصادات الخليج، فإن بيان الكويت الأخير يطرح تساؤلا جديدا: هل بدأ الربع الثاني يكشف الكلفة المالية الكاملة للحرب؟

يتوقع الخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي أن تتضح التداعيات المالية للحرب بصورة أكبر في موازنات الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، مع تفاوت التأثير بين دول الخليج.

ويقسم الطوقي، في حديثه للحرة، دول المجلس إلى ثلاث فئات؛ الأولى تضم الكويت والبحرين ومعهما قطر، باعتبارها الأكثر تأثرا، فيما تأتي السعودية والإمارات في الفئة الثانية، إذ خففت منافذ تصدير النفط البديلة من حدة الأثر، رغم توقعه تأثر اقتصاد دبي نتيجة تراجع الأنشطة الخدمية والسياحية.

أما سلطنة عمان فيرى أنها ستكون الأقل تأثرا، بل قد تواصل تحقيق مكاسب بفضل موانئها الواقعة خارج مضيق هرمز، والتي عززت دورها كمركز لوجستي لنقل السلع إلى بقية دول الخليج.

ويضيف أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الخليجية أسهمت في الحد من الصدمة، إلا أن الاعتماد الكبير على النفط والغاز يجعل انعكاسات الحرب على المالية العامة أكثر وضوحا خلال النصف الأول من العام.

تأثير الحرب على اقتصادات الخليج

يقول الخبير الاقتصادي عبدالله الجبلي إن أبرز تداعيات الحرب على اقتصادات الخليج تمثلت في اضطراب سلاسل الإمداد والخطوط اللوجستية، وهو ما انعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، وظهر مبكرا في نتائج موازنات الربع الأول، رغم أن الحرب لم تؤثر سوى خلال شهر واحد من تلك الفترة.

ويضيف للحرة أن الأزمة ستدفع دول الخليج إلى تسريع إنشاء بدائل لمضيق هرمز، عبر تطوير شبكات السكك الحديدية وتعزيز النقل البحري والبري، وإنشاء مناطق لوجستية جديدة.

ويشير إلى أن آثار الحرب قد تمتد لعامين على الأقل حتى تستقر سلاسل الإمداد، مؤكدا أن الأزمات تدفع الدول إلى تبني حلول جديدة للحد من آثارها، لافتا إلى أن بعض دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، استعدت مبكرا لمثل هذه السيناريوهات عبر مشاريع استراتيجية.

وتعتمد السعودية حاليا على خط أنابيب “بترولاين” لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، وهو يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر. في حين تعتمد الإمارات على خطوط أنابيب حبشان-الفجيرة لتجاوز المضيق.

وقال الدكتور عواد النصافي، الخبير الاقتصادي والأكاديمي والمستشار في الاستراتيجيات المالية وصناعة القرار، إن نتائج الربع الأول لم تكن طبيعية، رغم أن الحرب اندلعت في نهايته.

وأوضح للحرة أن العجز لم يكن نتيجة تعطل الصادرات وحده، بل أيضا بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي، بما يعكس دخول الحكومات في مرحلة تحوط مبكر قبل ظهور الآثار الكاملة لإغلاق مضيق هرمز.

وأضاف أن الربع الثاني سيعكس الكلفة التراكمية لذروة الأزمة خلال مارس وأبريل، لكنه لن يكون بالضرورة الأسوأ إذا استمر تحسن حركة الملاحة بعد الهدنة، مشيرا إلى أن استقرار التهدئة أو عودة التوتر سيبقيان العامل الحاسم في تحديد حجم الضغوط على موازنات دول الخليج.

موازنات الخليج في الربع الأول

قبل اندلاع الحرب كانت معظم دول الخليج قد أقرت موازناتها لعام 2026 على وقع عجز مالي متفاوت؛ باستثناء الإمارات التي حافظت على التوازن المالي، لكن الحرب وما رافقها من اضطراب في صادرات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع الإنفاق الحكومي، أضافت ضغوطا جديدة على المالية العامة، وبدأت آثارها تظهر تدريجيا في نتائج الربع الأول.

في قطر تضاعف عجز الموازنة في الربع الأول أكثر من 20 مرة ليصل إلى 10.3 مليار ريال (2.74 مليار دولار)، مقارنة بنحو نصف مليار ريال في الفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة تأثر صادرات الغاز الطبيعي وتداعيات الحرب، كما خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد القطري بشكل حاد؛ مرجحا انكماشه بنسبة 8.6% خلال العام الجاري، في أكبر خفض بين اقتصادات المنطقة.

وفي السعودية سجلت الميزانية العامة عجزا بلغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار) خلال الربع الأول من 2026، مع ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 20%، مقابل تراجع طفيف في الإيرادات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على تبني الحكومة سياسة إنفاق توسعية بالتزامن مع تداعيات الحرب.

أما البحرين فتظل الأكثر عرضة للضغوط المالية، ليس فقط بسبب استمرار العجز وتداعيات الحرب؛ وإنما أيضا نتيجة ارتفاع الدين العام، وتتوقع وكالة فيتش أن يبقى العجز قريبا من 9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مع استمرار نمو المديونية، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية على المالية العامة والتصنيف الائتماني إذا استمرت الضغوط الاقتصادية.

في المقابل، سجلت سلطنة عمان تحسنا في نتائج الربع الأول، إذ تراجع العجز إلى 25 مليون ريال عماني (65 مليون دولار)، مقارنة بـ 136 مليون ريال في الفترة نفسها من العام الماضي، وجاء ذلك مع ارتفاع الإيرادات بنسبة 13% إلى 2.985 مليار ريال، مقابل زيادة الإنفاق بنسبة 9% إلى 3.010 مليار ريال، فيما ارتفعت إيرادات النفط 5% وإيرادات الغاز 36%، إلا أن وزارة المالية العمانية أوضحت أن آلية احتساب الإيرادات النفطية تعني أن هذه النتائج لم تعكس بعد الارتفاع في أسعار النفط الذي أعقب اندلاع الحرب.

وحتى الآن؛ تبقى الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تعلن تسجيل عجز في الربع الأول من عام 2026، مع تأكيد الحكومة الاتحادية استمرار التوازن المالي في موازنة العام.

دول الخليج ليست في وضع مالي واحد

يقول خلفان الطوقي إن دول الخليج تمتلك قدرة أكبر على مواجهة تداعيات العجز مقارنة بغيرها؛ بفضل استثماراتها غير النفطية، وأصول صناديقها السيادية واحتياطياتها المالية، إلى جانب المخازن الاستراتيجية التي أنشأتها في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، والتي أسهمت في الحد من آثار اضطرابات سلاسل الإمداد.

لكنه يؤكد أن دول الخليج ليست في وضع مالي واحد؛ إذ تختلف مستويات الملاءة المالية من دولة إلى أخرى، متوقعا أن تواجه البحرين ضغوطا أكبر مع احتمال ارتفاع الدين العام وتأثر التصنيف الائتماني إذا استمرت التداعيات الاقتصادية.

من جانبه، يشير الدكتور عواد النصافي، إلى أن دول الخليج تمتلك أدوات مختلفة للتعامل مع استمرار العجز، لكنها تتفاوت في قدرتها على استخدامها.

ويوضح أن السعودية تعتمد على تحويل جزء من صادراتها عبر الخطوط البديلة، إلى جانب الاقتراض الدولي، فيما تبقى الكويت وقطر والبحرين الأكثر تعرضا لغياب مسارات بديلة لمضيق هرمز، بينما تمثل الإمارات الاستثناء بفضل موازنة اتحادية متوازنة وتنوع أكبر في الإيرادات غير النفطية.

ويضيف أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته لنمو اقتصادات الخليج إلى 1.8% خلال عام 2026، متوقعا عجزا ماليا إقليميا يبلغ 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يرجح تحسن الإيرادات تدريجيا إذا استقرت أسعار النفط ولم يتجدد إغلاق مضيق هرمز.

وحذر النصافي في الوقت نفسه من أن الإنفاق الدفاعي وإعادة الإعمار سيترك أثرا طويل الأمد على مستويات الدين العام، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل اختبارا لقدرة دول الخليج على تسريع تنويع مصادر الإيرادات.

وعاد التوتر في حرب إيران خلال الأيام الأخيرة، عندما هاجم الحرس الثوري سفنا تجارية في مضيق هرمز، وردت أميركا بقصف مواقع عسكرية في إيران، لترد الأخيرة بإطلاق صواريخ على قواعد عسكرية في الكويت والأردن، مما قد ينذر بتداعيات اقتصادية أكبر.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم