قبل ثلاثة عشر عاما كانت مصر تقف على حافة الانهيار. عجز موازنة غير مسبوق، نقص حاد في الوقود والكهرباء، ودولة تتراجع مؤسساتها يوما بعد يوم في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين. اليوم يضعها صندوق النقد الدولي في المرتبة الثانية بين أكبر الاقتصادات العربية، بعد السعودية مباشرة. المسافة بين هاتين الصورتين هي في الحقيقة قصة إصلاحات متتالية، لا معجزة عابرة.
لحظة الانفجار الشعبي في 2013
في يونيو 2013 نزل ملايين المصريين إلى الشوارع رفضا لتفكيك مؤسسات الدولة، وطلبا لعودة الدولة الوطنية بشكلها المعروف. استجابت القوات المسلحة لهذا المطلب الشعبي، وأعلنت خارطة طريق سياسية، تلتها فترة انتقالية برئاسة عدلي منصور، ثم انتقلت السلطة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014. من تلك اللحظة بدأت الدولة تتحدث عن مشروع أسمته لاحقا الجمهورية الجديدة، وهو ليس شعارا فقط بل خطة عمل طويلة النفس قامت على التنمية الشاملة ومحاربة الفساد.
مصر ثانيا في الاقتصاد العربي
بعد سنوات من إصلاحات هيكلية مكلفة سياسيا واجتماعيا، بدأت النتائج تظهر بوضوح. في أبريل 2026 وضع صندوق النقد الدولي مصر في المرتبة الثانية عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القوة الشرائية، خلف السعودية فقط. هذا ترتيب لا يأتي من فراغ، بل يعكس استعادة الاستقرار الكلي للاقتصاد، وعودة تدفقات الاستثمار، وارتفاع الصادرات بعد سنوات من التعثر.
وتوقع البنك الدولي في تقرير له في يناير 2026 أن يستمر هذا الزخم، بنمو يصل إلى 4.3% في السنة المالية 2025 2026، ويرتفع إلى 4.8% في السنة التي تليها. ويربط البنك هذا النمو بتحسن مناخ الأعمال، وتخفيف قيود الاستيراد، وتوفر النقد الأجنبي، واستقرار سعر الصرف، وهي عناصر كانت غائبة تماما قبل سنوات قليلة.
التضخم يتراجع والبطالة تنكمش
لطالما كان التضخم الهاجس الأول للمصريين. بلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023، وهو رقم مرعب لأي اقتصاد. لكنه تراجع بثبات إلى 14.6% في مايو 2026، بفضل سياسة نقدية صارمة من البنك المركزي، رافقتها إجراءات مالية حازمة من الحكومة. والتوقعات تشير إلى استمرار هذا الانحدار، بنسبة 10% في 2027 ثم 8% في 2028، وهي أرقام إن تحققت ستعيد للمواطن قدرا من قدرته الشرائية التي تآكلت طويلا.
البطالة أيضا في تراجع، حيث سجلت 6% في الربع الأول من 2026 مقارنة بـ 6.2% في الربع السابق له. هذا التحسن يعود إلى المشروعات القومية الكبرى، وبرامج دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي فتحت أبوابا جديدة لسوق العمل.
الزراعة تتوسع بأربعة ملايين ونصف فدان
منذ 2014 لم تتوقف مشروعات استصلاح الأراضي، وهي ليست أعمال بناء عادية بل خطة لإعادة توزيع السكان والإنتاج الزراعي على مساحة الوطن. زادت الرقعة الزراعية بنحو 4.5 مليون فدان، في خطوة تستهدف مواجهة الزيادة السكانية وتحقيق أمن غذائي حقيقي. من أبرز هذه المشروعات:
- مشروع 100 ألف فدان صوب زراعية، حيث تعطي الزراعات المحمية إنتاجية تعادل خمسة أفدنة مكشوفة بالتقنيات الحديثة
- المشروع القومي 1.5 مليون فدان في الظهير الصحراوي، بتوفير 75% من مياه الري عبر أنظمة ري متطورة
- مشروع مستقبل مصر بمحور الضبعة، بمساحة 500 ألف فدان مستصلحة تدار بتقنيات حديثة
- مشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف الوصول إلى 2 مليون فدان
الطاقة من العجز إلى التصدير
ربما لا يوجد ملف يلخص التحول أكثر من الطاقة. قبل 2013 كان انقطاع الكهرباء مشهدا يوميا يعيشه المصريون، أما اليوم فتتحدث الدولة عن فائض يسمح بالتصدير، ومكانة إقليمية في هذا المجال.
حقل ظهر هو الرمز الأوضح لهذا التغيير. اكتشف عام 2015 وبدأ الإنتاج في 2017، وأصبح أكبر حقل غاز طبيعي في البحر المتوسط. ويحصل الحقل على استثمارات إضافية بقيمة 77 مليون دولار في العام المالي 2025 2026، ترتفع الموازنة المخصصة له إلى 524 مليون دولار في العام التالي، وذلك لتطوير التشغيل وزيادة السعة الاستيعابية لمحطته البرية. وزير البترول وصف الحقل بأنه ركيزة أساسية لإنتاج مصر من الغاز.
في الطاقة المتجددة أيضا خطوات ملموسة، أبرزها افتتاح المرحلة الأولى من مشروع أوبليسك للطاقة الشمسية في نجع حمادي بقدرة 500 ميجاوات، مع استعداد لربط المرحلة الثانية بالشبكة قريبا. وتخطط شركة سكاتك النرويجية لتنفيذ مشروعات شمسية ورياح بقدرات إجمالية تصل إلى 3100 ميجاوات، إلى جانب بطاريات تخزين بسعة 4000 ميجاوات في الساعة، باستثمارات تقارب 1.8 مليار دولار.
خلاصة
الأرقام هنا لا تروي قصة نمو عابر، بل قصة دولة أعادت بناء أساسياتها من الطاقة إلى الزراعة إلى الاستقرار النقدي. الطريق لم يكن سهلا، والفاتورة الاجتماعية لبعض الإصلاحات كانت ثقيلة على المواطن، لكن النتائج التي تظهر في تقارير المؤسسات الدولية عام 2026 تؤكد أن مصر غيرت مسارها الاقتصادي بشكل جوهري خلال أقل من عقد ونصف.
