أثار مجلس القضاء الأعلى في العراق جدلا، الجمعة، بعدما قال في بيان إن المتهمين بقضايا فساد قد يستفيدون من تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات إذا أعادوا الأموال العامة طوعا، ضمن ما يسمح به الدستور والقانون.
وجاء بيان المجلس بعد أيام من حملة أطلق عليها اسم “صولة الفجر”، قالت السلطات إن مرحلتها الأولى انتهت باعتقال 47 مسؤولا رفيعا، بينهم نواب بدأت إجراءات رفع الحصانة عنهم على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع وتخريب بالاقتصاد الوطني.
وأظهرت مشاهد نشرت بعد الاعتقالات رزما من الدنانير والدولارات وسبائك ذهبية وساعات فاخرة، قالت السلطات إنها عثرت عليها في مخابئ خلف الجدران وأحواض السباحة وحفر تصريف المياه.
لكن بيان القضاء نقل النقاش من حجم الأموال المضبوطة إلى مصير المتهمين بها، وأثار تساؤلات بشأن ما إذا كان رد المال العام يمكن أن يفتح الطريق أمام العفو أو تخفيف العقوبة.
وقال مجلس القضاء الأعلى إن سياسته في قضايا الفساد الإداري والمالي تقوم على هدفين: محاسبة مرتكبي الجرائم واستعادة أموال الدولة. وأضاف أن الإجراءات أو العقوبات يمكن تخفيفها بحق المتهمين الذين يعيدون الأموال طوعا، في الحدود التي يسمح بها القانون.
واستشهد المجلس بقضية “الأمانات الضريبية”، المعروفة في العراق باسم “سرقة القرن”، التي اتهم فيها رجال أعمال ومسؤولون بالاستيلاء على نحو 2.5 مليار دولار من أموال الضرائب.
وقال إن المتهم الرئيسي في القضية، نور زهير، أُطلق سراحه بكفالة مقابل إعادة الأموال، وتمكن من تسديد 365 مليار دينار من أصل نحو 1.618 تريليون دينار مترتبة على شركتيه. لكنه غادر العراق بعد ذلك وتوقف عن السداد، فأصدر القضاء حكما غيابيا بسجنه عشر سنوات وبدأ إجراءات لاسترداده.
وأضاف المجلس أن طلب شمول زهير بقانون العفو المعدل لا يزال معلقا، في انتظار موافقة وزارة المالية على آلية لتسديد المبالغ المتبقية.
وصدرت أحكام بالسجن بحق 12 موظفا في الهيئة العامة للضرائب، إلى جانب أحكام غيابية بحق مسؤولين سابقين ومصادرة أموال وعقارات لعدد من المدانين. وقال المجلس إن التحقيق مع رئيس وزراء سابق، لم يسمه، أُغلق لعدم كفاية الأدلة.
وأشار إلى أن قضايا أخرى، من بينها قضية شركة مصافي الشمال، يمكن أن تخضع للآلية ذاتها إذا كانت الجرائم قد ارتكبت قبل دخول قانون العفو حيز التنفيذ وأعيدت الأموال. أما الجرائم اللاحقة، فقال إنها لن تكون مشمولة بالعفو.
وانتقد الباحث السياسي العراقي، يحيى الكبيسي، تحميل قانون العفو وحده مسؤولية احتمال خروج المتهمين بقضايا فساد.
وقال لـ”الحرة”: “من أقرف الحجج التي أسمعها أن قانون العفو هو الذي سيخرج الفاسدين وليس القضاء، وكأن قانون العفو نص مقدس لا يجوز التجديف به. إذا ما كان علي الزيدي وفائق زيدان جادين في مكافحة الفساد، فلماذا لا يطلبان من البرلمان العراقي تعديل قانون العفو لكي لا يشمل الفاسدين؟”.
حملات متكررة ونتائج محدودة
ليست الحملة الحالية أول محاولة عراقية لإنشاء إطار استثنائي لمواجهة الفساد. فمنذ عام 2003، شكلت الحكومات المتعاقبة مجالس ولجانا جديدة كلما تصاعد الضغط الشعبي بشأن نهب المال العام، لكن معظم تلك التجارب انتهى من دون تغيير حقيقي في مؤسسات الرقابة أو في قدرة الدولة على استعادة أموالها.
وفي عام 2007، أنشأ رئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي، “المجلس المشترك لمكافحة الفساد”. لكن تلك المرحلة شهدت في الوقت نفسه اتساع ظاهرة المشاريع الوهمية وتراجع ترتيب العراق في مؤشرات الفساد الدولية.
وحاول حيدر العبادي عام 2016 إعادة تنظيم الجهود الحكومية من خلال “المجلس الأعلى لمكافحة الفساد”، ضمن حزمة إصلاحات تضمنت إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية وإعفاء عدد من الوكلاء والمديرين. لكن الإجراءات واجهت مقاومة من القوى السياسية التي كانت تسيطر على مؤسسات الدولة.
وأعاد عادل عبد المهدي تفعيل المجلس عام 2019، متعهدا بالتعامل مع الفساد بوصفه تهديدا لا يقل خطورة عن تنظيم داعش.
لكن قبل ذلك بعام، استقال رئيس هيئة النزاهة حسن الياسري، قائلا إن السلطات السياسية تتستر على متهمين وإن القضاء لم يتحرك في معظم ملفات الفساد الكبرى التي أحيلت إليه.
وعلى الرغم من سجل المحاولات السابقة، قال الخبير الأمني والسياسي، فاضل أبو رغيف، إن الحملة الحالية تختلف عن سابقاتها.
وقال لـ”الحرة”: “هذه المرة الأمر مختلف. هناك جدية وإرادة حقيقية من الحكومة مدعومة بمجلس القضاء الأعلى لمحاربة الفساد. نعم هناك تحديات كبيرة، لكن هناك عمل حقيقي أيضا، وأعتقد أن الحملة ستتوسع”.
تجربة “اللجنة 29“
اتخذت حملة مكافحة الفساد منحى أمنيا أكثر حدة في عهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي أنشأ عام 2020 “اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية”، المعروفة باسم “اللجنة 29″، بقيادة الفريق أحمد أبو رغيف.
اعتقلت اللجنة عددا من رجال الأعمال والمسؤولين، بينهم جمال الكربولي وبهاء عبد الحسين، وقالت إنها استعادت مليارات الدنانير لصندوق التقاعد.
لكن المحكمة الاتحادية العليا ألغت اللجنة في مارس 2022، معتبرة أن تشكيلها خالف مبدأ الفصل بين السلطات وتعدى على صلاحيات هيئة النزاهة والجهات القضائية.
وفي وقت لاحق، كشف تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” عن اتهامات لأعضاء في اللجنة باستخدام التعذيب والعنف الجنسي لانتزاع اعترافات من معتقلين.
وعندما تولى محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة أواخر عام 2022، أنشأ “الهيئة العليا لمكافحة الفساد”، مدعومة بفريق يرأسه مدير خلية الصقور السابق أبو علي البصري، الذي تولى لاحقا رئاسة جهاز الأمن الوطني.
لكن الحملة فقدت جانبا من زخمها أواخر عام 2024، بعد الكشف عن شبكة للتجسس والتنصت داخل مكتب رئيس الوزراء. وصدرت لاحقا أحكام بالسجن بحق عدد من المتورطين فيها.
مجلس جديد وصلاحيات متداخلة
وفي 30 مايو 2026، أنشأ رئيس الوزراء علي الزيدي “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، بمشاركة رؤساء أجهزة رقابية وقضائية.
وحصل المجلس على دعم سياسي وبرلماني، كما أيده زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. لكنه أثار اعتراضات قانونية بشأن جمعه بين رئيس الحكومة والهيئات التي يفترض أن تراقب أداءها.
ويرى منتقدون أن ترؤس رئيس الوزراء مجلسا يضم هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية يمكن أن يقوض استقلال المؤسستين، اللتين تنص المادة 102 من الدستور على استقلالهما.
وتتوزع الرقابة المالية والإدارية في العراق بين عدد من الأجهزة. تتولى هيئة النزاهة الاتحادية التحقيق في قضايا الفساد ومتابعة إقرارات الذمة المالية، فيما يدقق ديوان الرقابة المالية حسابات المؤسسات الحكومية ويقيم أداءها، لكنه لا يملك صلاحية الاعتقال أو الإنفاذ المباشر.
وكانت الوزارات تضم أيضا مكاتب للمفتشين العموميين، أنشئت عام 2004 لممارسة الرقابة الداخلية. لكن تلك المكاتب تعرضت لانتقادات بسبب تبعيتها الإدارية والمالية للوزراء الذين يفترض أن تراقبهم.
وفي عام 2019، صوت البرلمان على إلغائها بموجب القانون رقم 24، وأيدت المحكمة الاتحادية القرار، معتبرة أن إنشاءها أو إلغاءها يدخل ضمن صلاحيات مجلس النواب التشريعية.
اختبار للحملة الحالية
يرى مؤيدو الحملة الجديدة أن التنسيق بين الحكومة ومجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة، إلى جانب استهداف مسؤولين وشخصيات نافذة، قد يعكس إرادة سياسية تختلف عن المحاولات السابقة.
ويشيرون أيضا إلى تحسن ترتيب العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 وخروجه من قائمة الدول العشر الأدنى ترتيبا للمرة الأولى منذ سنوات.
لكن المشككين يقولون إن الفساد في العراق لم يعد يقتصر على تجاوزات يرتكبها أفراد، وإنما أصبح جزءا من شبكات تمويل ونفوذ مرتبطة بالأحزاب والقوى المسلحة ومؤسسات الدولة.
كما يشيرون إلى أن الأموال المستردة لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنفاق العام المهدور أو المسروق منذ عام 2003، وأن الحملات السابقة كثيرا ما استخدمت في الصراعات السياسية أو توقفت عندما اقتربت من شخصيات تتمتع بالحماية.
وقال الكاتب أحمد الشيخ ماجد إن السماح للمتهمين بتخفيف العقوبة مقابل إعادة الأموال يخلق تفاوتا بين من يستطيع التفاوض مع الدولة ومن لا يملك ذلك.
وأضاف لـ”الحرة”: “عندما تقبل الدولة استبدال العقوبة باسترداد المال، فإنها تكرس عمليا مبدأ خصخصة العدالة، ليغدو القانون قابلا للتكيف بحسب القدرة على الدفع”.
وقال أيضا: “ففي حين يطبق بأقصى درجات الصرامة على المواطن البسيط الذي يسرق بدافع الحاجة لأنه لا يملك ما يفاوض به، يصبح أكثر مرونة مع من يملكون الأموال الكافية لعقد تسوية تخفف عنهم تبعات جرائمهم”.
وستتوقف دلالة الحملة الحالية على ما إذا كانت الاعتقالات ستقود إلى محاكمات وأحكام نهائية واستعادة الأموال، أم ستنتهي، مثل حملات سابقة، بتسويات وإجراءات لا تمس شبكات النفوذ التي وفرت الحماية للمتهمين.
