لا يُقاس التفسير بما يُقال عنه، وإنما بما يترتب عليه. فالقرارات الإدارية ثمرةُ تفسير النص؛ فإذا انضبط التفسير انضبطت آثاره، وإذا تجاوز النص تجاوزته القرارات التي تُبنى عليه. وليست كل سلطة تفتيشية مطلقة؛ فالرقابة تبدأ من النص، وتنتهي عند حدوده. وكل تفسير يتجاوزها يستبدل إرادة المنظِّم بإرادة المفسِّر.
والخلاف في الممارسات التفتيشية على وكالات السفر ليس في أهمية الرقابة، بل في حدود اختصاص المفتش؛ فالرقابة وُجدت لضبط الامتثال، وليس لإقرار التوسع في الاختصاص. فاللوائح لم تمنح وزارة السياحة ولايةً تتجاوز النص، ولا يتسع الاختصاص بالاجتهاد؛ لأن النص هو الذي يرسم حدوده.
والنصوص النظامية لم تُشرع لمجرد العقاب، بل لضبط العلاقة بين السلطة والمنشآت الخاضعة لرقابتها. فإذا تجاوزها التفسير، ضاقت مساحة اليقين التي يقوم عليها الاستثمار، وتحول النص من مرجعٍ للاستقرار إلى مجالٍ للاجتهاد المتباين؛ إذ يُمدّ، مثلًا، حكمٌ وُضع لتنظيم نشاطٍ داخل المملكة إلى نشاطٍ آخر لم يتناوله النص.
فعندما يُطبِّق المفتش تعريفاتٍ وُضعت لتنظيم أنشطة داخل المملكة، كـ “البرنامج السياحي” أو “باقته”، على رحلة خارجية، ويُشترط اعتمادها من الوزارة حتى لا تُعدَّ مخالفةً، فإنه يخرجها عن سياقها، متجاوزًا حدود اختصاصه. ولا يمتد بها نصٌ إلى الرحلات الخارجية، مما يُحمّل الوكالات أعباءً بلا سند.
وكذلك فنشاط مقدم حجز المرافق “مقصور” على المرافق المرخصة أو المصرح بها. ولا تُقرأ هذه العبارة مستقلة؛ إذ تُبيّن اللوائح المكملة أن المقصود بها المرافق الخاضعة للنظام داخل المملكة. أما فصلها عن المنظومة التنظيمية فيؤدي إلى التوسع في تطبيقها على مرافق خارج المملكة، رغم أنها لا تخضع أصلًا للنظام، ومع ذلك لا يظهر أثر هذا القيد في بعض التطبيقات.
وينطبق الأمر ذاته على “منظم الرحلات” الذي حُصرت أعماله الخارجية في التعليم والعلاج بالقرار (2290) لسنة 1444، ومع ذلك قد يُغض الطرف عن مباشرته لتنظيم البرامج السياحية والخدمات الأرضية والإرشاد السياحي في الخارج، بلا تراخيص نظامية، وعبر غير المرخص لهم، بما لا ينسجم مع التنظيم الحالي.
أما “وكيل السفر” فمنحته اللوائح حق بيع التذاكر داخليًا وخارجيًا وعبر جميع الوسائط، وتقديم الخدمات المرتبطة بها؛ لذا فإن مطالبته بالاعتراف بأنه يتعامل مع “شركاء عالميين” تفاديًا لتصنيفه كمنظم رحلات، رغم أن القيود على الخدمات الخارجية انصبت على نشاط منظم الرحلات، تمثل خلطًا في التكييف النظامي.
ويمتد الخلط إلى مفاهيم أخرى في اللوائح، ومنها مفهوم “الوجهة السياحية” المرتبط بالتنمية في المملكة؛ فإعلان الوكيل عن رحلة خارجية إلى باريس أو طوكيو لا يحولها إلى “وجهة سياحية” بالمفهوم النظامي، بل يظل نشاطًا تسويقيًا مرخصًا. ونقل أحكام الوجهات السياحية إلى الخارج تفسيرٌ يجانب المقصد الذي شُرعت لأجله اللوائح. الرقابة وسيلة، وليست غاية. وكل ساعة تُهدر في معالجة تفسيرٍ خاطئ تُنتزع من خدمة المسافر السعودي، وهو أولى بها.
ونهضة السياحة تحتاج إلى تفتيشٍ يلتزم بالنص، ورقابةٍ تضمن سلامة التطبيق؛ فلا يُقاس نجاحها بكثرة المخالفات، بل بتراجع الحاجة إليها. فالاستثمار لا يحتاج إلى اتساع سلطة التفسير، بل إلى وضوح حدودها؛ لأن الثقة لا تنشأ من كثرة الصلاحيات، وإنما من يقين الجميع بأن الصلاحيات تمارس داخل الحدود التي رسمها المنظِّم.
ولذلك، فالخطأ ليس في النصوص النظامية، وإنما في فهمها وتطبيقها. فاللوائح لا تُقرأ فرادى، بل في إطار منظومةٍ تنظيميةٍ متكاملة؛ يقيِّد بعضها بعضًا، ويُفسِّر بعضها بعضًا، ويُحدِّد كلٌّ منها نطاق تطبيق الآخر؛ لأن الفصل بينها يفضي إلى تفسيرٍ مبتور، وليس إلى تطبيقٍ نظاميٍّ سليم. ويبدأ الإصلاح بتوحيد التفسير وفق اللوائح، وتأهيل المفتشين على الفروق بين الأنشطة، لضمان رقابة عادلة تعزز الثقة وتدعم نمو القطاع.
وإذا أُعيد النظر في ذلك التفسير، اقتضى ذلك مراجعة قرارات المخالفات التي تأسست عليه منذ نفاذ اللوائح؛ لأن التطبيق الإداري المتراكم قد يرسخ تفسيرًا للنص حتى يغدو كأنه النص، بينما يبقى المعيار هو ما قصده المنظِّم، لا ما استقر عليه التطبيق. فالتفسير لا يُختبر بالنقاش النظري، وإنما بما ترتب عليه من تطبيقات. وحين يتجاوز التفتيش حدود اختصاصه، لا يوسع سلطان النظام، بل سلطان التفسير؛ فكل تفسيرٍ يتجاوز النص يبدأ بتوسيعه، ثم ينتهي باستبداله.
كابتة متخصصة في قطاع السفر والسياحة

