
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الخميس، مسار المرحلة الثانية من اتفاق غزة إلى الواجهة، بإعلانه أن “مجلس السلام” توصل إلى “اتفاق تاريخي” لنزع سلاح حركة حماس والجماعات المسلحة الأخرى بالكامل.
وجاء منشوره بعد ساعات من رفض إسرائيلي للخطة التي ناقشتها الحركة مع الوسطاء في مصر، وقبل أن يقول عضو وفد “حماس” المفاوض غازي حمد، صباح الجمعة، إن تنفيذ ما وافقت عليه الحركة يتطلب موافقة إسرائيل أولا.
وقال مصدر مصري مطلع لـ”الحرة”، الجمعة، إن حماس والفصائل الفلسطينية أبلغت الوسطاء موافقتها على خارطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
وبحسب المصدر، تتولى اللجنة الوطنية عملية حصر السلاح وتخزينه، على أن تنفذ العملية بصورة تدريجية ومتسلسلة، وتبدأ مع دخول اللجنة إلى القطاع وانتشار القوة الدولية.
لكن إسرائيل لم تعلن قبولها بهذه الصيغة، فيما استخدم ترامب تعبير “النزع الكامل للسلاح”.
رفض إسرائيلي سبق منشور ترامب
الخميس، وقبل إعلان ترامب، كانت وكالة رويترز نقلت عن مسؤول إسرائيلي إن إسرائيل رفضت الوثيقة المؤلفة من 15 بندا التي كانت مطروحة في المفاوضات.
وقال المسؤول “تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس – التي تصنفها الولايات المتحدة إرهابية – بالكامل، بما في ذلك نقل الأسلحة من غزة وتجريد القطاع من سلاحه بالكامل”. وأضاف أن الوثيقة “لا تقدم استجابة مُرضية لهذه المطالب”، وأن إسرائيل أبلغت اعتراضاتها إلى الوسطاء.
ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن القوات الإسرائيلية لن تنسحب إلى ما وراء “الخط الأصفر” قبل نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح. وأبلغ المسؤول الصحيفة أن الاعتراضات الإسرائيلية نُقلت إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، العضو في الهيئة التنفيذية لـ”مجلس السلام”.
وفي مساء الخميس بتوقيت واشنطن، كتب ترامب على منصته “تروث سوشال”: “توصل مجلس السلام إلى اتفاق تاريخي لنزع سلاح حركة حماس والجماعات المسلحة الأخرى في غزة بشكل كامل. إنها خطوة هائلة نحو تحقيق السلام والأمن الدائمين”.
وقال ترامب إن الاتفاق سينفذ “على مراحل منظمة بعناية”، وإن القوات الإسرائيلية ستنسحب مع تقدم عملية نزع السلاح. وأضاف أن قوة الاستقرار الدولية ستعمل مع قوة شرطة فلسطينية جديدة، وشكر مصر وقطر وتركيا على جهود الوساطة.
ولم يتضمن منشور ترامب نص الاتفاق أو جدول التنفيذ، كما لم يشر إلى موافقة إسرائيل. ولم يصدر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، حتى صباح الجمعة، إعلان يقبل فيه الوثيقة التي وافقت عليها حماس عبر الوسطاء.
حماس: لا تنفيذ قبل موافقة إسرائيل
من جهته، قال غازي حمد إن حماس مستعدة لقبول اتفاق وصفه بأنه “صعب وقاس”، لكنه شدد على أنه يمثل “منظومة متكاملة” تشمل التزامات إسرائيلية وفلسطينية متبادلة.
وقال حمد، وفق رويترز، إن إسرائيل مطالبة بوقف هجماتها على غزة، وسحب قواتها إلى المواقع التي كانت عليها في أكتوبر 2023، وزيادة تدفق السلع والمساعدات. وأضاف: “أصررنا على الوسطاء أن إسرائيل يجب أن تلتزم بذلك”.
وأوضح أن الحركة ستوافق بعد ذلك على تسليم سلاحها للتخزين تحت مسؤولية اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وقال “بمجرد موافقة الطرفين على نص الاتفاق، لا بد أن تبدأ إسرائيل في تنفيذ المرحلة الأولى”.
وفي تصريحات لاحقة لقناة لـ”الجزيرة” القطرية، قال حمد “لن نقدم على أي خطوة فيما يتعلق بحصر وتخزين السلاح قبل انسحاب إسرائيل من القطاع”. وأضاف أن إسرائيل “لن تتدخل في موضوع تخزين وحصر السلاح”، وأن اللجنة الوطنية هي الجهة التي ستتولى الملف.
“مجلس السلام”: الموافقة تشمل التخلي عن الأسلحة
وقال “مجلس السلام” في بيان نشره الجمعة إن حماس وافقت على “خارطة طريق مفصلة لتنفيذ المراحل التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة”. وأضاف “ينصب تركيزنا الآن على التنفيذ”.
ووصف المجلس الخارطة بأنها “اختراق تاريخي”، وقال إنها تتضمن للمرة الأولى التزاماً رسمياً من حماس بخطة عملية للتخلي عن جميع أسلحتها، على أن يعقب ذلك انسحاب إسرائيلي من القطاع.
وقال نيكولاي ملادينوف، ممثل مجلس السلام لشؤون غزة، في منشور على منصة “إكس” الجمعة، إن التوصل إلى اتفاق بشأن تفكيك الأسلحة والانتقال إلى إدارة مدنية استغرق أشهراً من المفاوضات.
وأضاف “كانت هناك لحظات عدة لم أعتقد فيها أننا سننجح”.
وقال مسؤولون أميركيون ومسؤولون في “مجلس السلام”، خلال إحاطة للصحافيين بعد إعلان ترامب، إن العمل على تحويل خطة النقاط العشرين إلى إطار تنفيذي استمر نحو ثمانية أشهر.
وسلطت تقرير لموقع «أكسيوس» الضوء على كواليس المفاوضات المكثفة التي جرت بين العلمين والقاهرة، مؤكدة أن رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، أدى دوراً محورياً كمهندس لهذه المفاوضات من خلال تواصله المباشر واليومي مع زعيم حركة حماس، خليل الحية.
وأوضح الموقع نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن إدارة ترمب ومجلس السلام ركزا خلال الأشهر الماضية على استراتيجية خنق وتمزيق شبكات التمويل التابعة لحماس، مما أدى إلى “إدخال الحركة في وضع سياسي واقتصادي لا تملك معه خيار الرفض”.
وفي المقابل، كشفت مصادر مطلعة لـ”أكسيوس” عن ممارسة طهران ضغوطاً معاكسة؛ إذ التقى كبار قادة الحرس الثوري الإيراني بوفد حركة حماس في العاصمة الإيرانية على هامش مشاركتهم في جنازة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وقدم قادة الحرس نصيحة صريحة لوفد حماس بعدم التسرع في التوقيع على اتفاق نزع السلاح ومحاولة كسب الوقت والتأني في قبول الشروط الأميركية.
مسودة من 14 يوماً
ونقلت قناة “الجزيرة” القطرية، الجمعة، عن نسخة من مسودة الاتفاق قالت إنها حصلت عليها، أن إعداد الجدول التنفيذي لعملية حصر السلاح سيجري خلال 14 يوماً. ويمكن للجنة التحقق الدولية تمديد المهلة، لكن التمديد يتطلب موافقة جميع الأطراف على خارطة الطريق.
ولم يتسن لـ”الحرة” التأكد من صدقية الوثيقة التي نشرتها الجزيرة بشكل مستقل.
لكن “أسوشييتد برس” نقلت عن مسؤولين أميركيين، أن شرطة غزة ستسلم أسلحتها إلى إدارة اللجنة الوطنية المدعومة من “مجلس السلام” خلال الأسبوعين المقبلين.
وتنص المسودة، وفق “الجزيرة”، على أن عملية حصر السلاح وتخزينه تنفذ تدريجياً، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. ولا تسمح الوثيقة بإجراءات أحادية من أي طرف.
ويحدد البند الثامن من المسودة التعامل مع سلاح الفصائل، ويربطه بالبند العاشر الخاص بحصر سلاح الميليشيات المسلحة الأخرى في القطاع. ويشمل ذلك الجماعات والعشائر المسلحة التي تطالب حماس بتفكيكها ضمن الترتيبات نفسها.
وبحسب المسودة، لا تبدأ ترتيبات السلاح قبل دخول اللجنة الوطنية إلى غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، واستكمال الالتزامات المتبقية من بروتوكول شرم الشيخ. كما تربط الوثيقة استكمال الملف بمسار سياسي يقود إلى حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.
وتشمل المرحلة الأولى السلاح الثقيل، ومواقع الإنتاج العسكري، ومستودعات الأسلحة والذخيرة، والأنفاق. وتتولى لجنة التحقق الدولية مراقبة التنفيذ، بدعم ميداني من قوة الاستقرار الدولية.
ولم تحدد الوثيقة المنشورة ما إذا كانت الأسلحة الثقيلة ستدمر كلها أم سيخزن بعضها. وقالت مصادر قريبة من حماس إن الحركة وافقت على حصر الأسلحة الثقيلة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية، لا تسليمها إلى إسرائيل.
وتشارك الفصائل الفلسطينية في إجراءات الحصر والتخزين، لكن اللجنة تحتفظ وحدها بسلطة إدارة السلاح. وتحظر الوثيقة نقل أو تسليم أي قطعة سلاح إلى إسرائيل أو إلى أي جهة غير فلسطينية، وفق وثيقة نشرتها “الجزيرة” لم تتأكد صدقيتها بشكل مستقل.
لكن المصدر المصري المطلع قال لـ”الحرة” إن هذا البند كان من النقاط التي جرى التوافق عليها مع الحركة، وإن عملية الحصر ستبدأ بالتزامن مع دخول اللجنة وانتشار القوة الدولية.
المسؤولون الأميركيون تحدثوا للصحفيين عن مراحل تبدأ بنقل أسلحة الشرطة في غزة إلى اللجنة الوطنية، ثم تفكيك الأسلحة الثقيلة والأنفاق والمستودعات ومواقع التصنيع. وتأتي الأسلحة الفردية في مرحلة لاحقة، وفق القوانين الفلسطينية المتعلقة بالحيازة والترخيص.
وقال مسؤول أميركي خلال إحاطة للصحافيين: “لا نعتمد على الثقة بأي طرف”. وأضاف أن كل خطوة ستخضع للتحقق قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
خلاف على الخطوة الأولى
وطالما أكدت إسرائيل إن نزع السلاح يجب أن يسبق الانسحاب إلى ما وراء “الخط الأصفر”.
لكن حماس تطالب ببدء تنفيذ الانسحاب ووقف الغارات قبل تسليم السلاح.
وقال مسؤول إسرائيلي لـرويترز الخميس إن التجريد الكامل للقطاع من السلاح “شرط أساسي” لأي تقدم.
أما غازي حمد فقال الجمعة إن الحركة لن تنفذ ما يخصها قبل أن تبدأ إسرائيل تنفيذ المرحلة الأولى.
من جانبه، تحدث “مجلس السلام” عن تنفيذ متزامن على مراحل. وقال ملادينوف إن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يجري “بالتوازي” مع تفكيك الأسلحة.
ولم تنشر بعد خريطة تحدد المنطقة التي ستبدأ فيها العملية، أو كمية السلاح المطلوب جمعها قبل كل خطوة إسرائيلية. كما لم تعلن أسماء أعضاء لجنة التحقق الدولية أو قواعد اتخاذ القرار فيها عند حدوث خلاف بين الطرفين.
وقال مسؤول في “مجلس السلام” خلال الإحاطة إن إسرائيل ستكون مطالبة بالعودة أولاً إلى “الخط الأصفر” الأصلي المحدد في اتفاق أكتوبر 2025، لكنها لن تنفذ انسحابات إضافية قبل بدء “حماس” تسليم السلاح.
وقال مسؤول أميركي آخر، وفق “واشنطن بوست”، إن واشنطن ستطالب إسرائيل بالالتزام بالخطة التي سبق أن وافقت عليها. وأضاف أن ترامب سيكون “محبطاً جداً جداً” إذا عرقلت الحكومة الإسرائيلية التنفيذ.
الشرطة والموظفون
وتشمل الترتيبات تشكيل قوة شرطة فلسطينية جديدة تتبع اللجنة الوطنية. وقال مسؤولون في “مجلس السلام” إن نحو خمسة آلاف مرشح خضعوا للتدقيق تمهيداً لتدريبهم ونشرهم في غزة.
وتتولى القوة الجديدة الأمن الداخلي وإنفاذ القانون، بينما تساعد قوة الاستقرار الدولية في التدريب وجمع السلاح والانتشار مع تقدم الانسحاب الإسرائيلي.
وقال مسؤول في حماس إن الموظفين الذين ستنهى خدماتهم أو يحالون إلى التقاعد خلال الفترة الانتقالية سيحصلون على حقوقهم وفق القانون الفلسطيني.
وأضاف المصدر أن اللجنة الوطنية ستجري تدقيقاً مالياً وإدارياً، وستراجع الالتزامات المستحقة للموردين والمتعاقدين ضمن سقف لا يتجاوز 400 مليون دولار، على أن تعالج خلال ثلاثة أعوام.
ويشمل ملف الموظفين أفراد الشرطة والأجهزة القائمة في غزة. وقال مسؤول في “مجلس السلام” إن المؤهلين يمكن أن يدمجوا في المؤسسات الجديدة، بينما ينقل آخرون إلى وظائف مدنية أو يحالون إلى التقاعد.
اجتماع للوسطاء في القاهرة
وقال المصدر المصري لـ”الحرة” إن اجتماعاً سيعقد قريباً في القاهرة، بمشاركة مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا، لتأكيد التزام الأطراف ببنود الاتفاق.
وسيناقش الاجتماع الجدول التنفيذي، وترتيب الانسحاب وجمع السلاح، وتشكيل لجنة التحقق، وموعد دخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار الدولية إلى القطاع.
ورحبت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، في بيان الجمعة، بما وصفته بالتقدم في خارطة الطريق، وقالت إنها مستعدة للاضطلاع بمسؤولياتها.
وبعد ساعات من منشور ترامب، قال مسعفون في غزة إن فلسطينيين أصيبوا في غارة إسرائيلية على القطاع. وكانت غارات الخميس قد قتلت ستة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان. وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر من حماس.
على الجانب الآخر، تشهد إسرائيل انتخابات مفصلية المرتقبة في أكتوبر المقبل.
وشهد اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر الأحد مواجهة حادة، قبل أن يصادق على منح وضع خاص لـ”مجلس السلام” والسماح بنشر قوة دولية تجريبية تضم نحو 200 عنصر من دول تربطها معاهدات سلام بإسرائيل، مثل المغرب وأوغندا، في مناطق محددة خلف الخط الأصفر، مثل مدينة رفح، لإقامة مساكن مؤقتة للنازحين.
وصوّت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ضد القرار واعتبره تفريطاً أمنياً، في حين أيده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ودافع عنه وزير الخارجية جدعون ساعر، وهم لاعبون رئيسيون في الائتلاف الحاكم في إسرائيل الذي سيحتاجه نتانياهو للبقاء في الحكم.

