لو كان عالم الاقتصاد الشهير ثورستين فيبلين، صاحب نظرية “الاستهلاك الاستعراضي” لعام 1899، حياً اليوم ليشاهد سلوكيات “الجيل زد”، لربما صاغ مصطلحاً جديداً “استعراض الانتظار”.
لعقود طويلة، تسابقت الشركات لتقليل أوقات الانتظار لتفادي خسارة المبيعات. لكن المفاهيم تغيرت، فالانتظار لم يعد مجرد وقت مهدر يجب التخلص منه، بل تحول بفضل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أصل تجاري وتجربة ممتعة وإشارة على القيمة.
يرى ريتشارد لارسون، الخبير في “نظرية الانتظار” بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن التكنولوجيا غيرت طبيعة الانتظار.
قال لمجلة “فورتشن”: “إذا كنت في متجر ورأيت طابورًا من 9 أشخاص، مثلا، جميعهم مطأطئون رؤوسهم، ينظرون إلى أيديهم، يتفقدون هواتفهم المحمولة، أجد ذلك محبطًا للغاية”. وأضاف أنه في الماضي، كان الغرباء في الطابور يتحدثون مع بعضهم بعضا. كانوا يقضون الوقت في مناقشة الطقس، والرياضة، وأي شيء آخر قريب.
“تجربة” الطابور
لكن الهواتف نفسها التي قتلت التفاعل الاجتماعي التقليدي في طوابير البقالة، خلقت نوعاً جديداً من “الانتظار الاجتماعي”. يفرق لارسون بوضوح بين أنواع الانتظار. فطابور البقالة يجمع غرباء لا يجمعهم شيء، رؤوسهم منحنية، غير مكترثين. لكن خارج مسرح، أو قاعة حفلات موسيقية، أو مخبز انتشر على نطاق واسع، يحدث شيء مختلف. الجميع هناك من أجل السبب ذاته. يقول لارسون: “الجميع في الطابور يشعرون بالحماس. يصبح الانتظار جزءًا من الحدث”، والحدث في حد ذاته.
يوثق الشباب مرحلة الانتظار بأكملها على منصات مثل “تيك توك”، ليتحول الطابور إلى محتوى مرئي يبث للمتابعين. وهنا تفطنت المتاجر والشركات وأصبحت “تبيع” تجربة الانتظار نفسها عبر تقديم عروض ترفيهية وأجواء تفاعلية داخل الطابور.
الطابور إشارة على الجودة
قد يبدو الوقوف لساعة من أجل قطعة كعك بـ11 دولاراً تصرفاً غير عقلاني، لكنه يعكس غريزة قديمة. كان الأرستوقراطيون يظهرون مكانتهم بشراء أصل نادر وثمين لإثبات ملكيتهم لوقت فراغ. اليوم، تحولت هذه الفكرة إلى “استعراض الانتظار”: لا تحتاج إلى ثروة طائلة، بل تحتاج فقط إلى هاتف ووقت فراغ لتستعرضه أمام الآخرين.
قال سوبودا كومار، أستاذ الإحصاء والعمليات وعلوم البيانات في كلية فوكس للأعمال بجامعة تمبل: “دعونا ننسى مجرد خفض التكلفة، بل يمكننا اعتبار الانتظار في الطابور مؤشراً على القيمة”.
الشحيح والثمين هنا ليس المال، بل الوقت. عندما ينشر الشخص مقطعاً وهو ينتظر في طابور طويل، فهو يستعرض قدرته على إهدار الوقت.
أما للشركات، فيعطي الطابور الطويل انطباعاً فورياً بالجودة والموثوقية قبل أن يجرب العميل المنتج حتى. ومع ذلك، يجب أن تكون هذه الإشارة صادقة؛ فإذا شعر المستهلكون أن الطابور ناتج عن سوء إدارة وليس عن ندرة حقيقية وجودة فائقة، تتحول الفخامة إلى انطباع بسوء الخدمة والعجز التشغيلي.
الطابور أداة للالتزام والتقدير
إن استثمار الوقت في الانتظار يرفع من قيمة الشيء المنتظر بعد الحصول عليه. عندما يختار العميل الوقوف في الطابور طواعية طمعاً في تجربة مميزة، فإن هذا “الاستثمار الزمني” يجعله يقدر النتيجة النهائية ويستلذ بها أكثر.
ويفرق الخبراء هنا بين الانتظار الاختياري، الذي يبث الشغف والحماس، والانتظار الإجباري الناتج عن الاختناقات وسوء التنظيم والذي يسبب الإحباط) يظهر هذا في بطولة كأس العالم، فمثلاً الانتظار الإلكتروني لشراء التذاكر يولد الحماس، ولكن الانتظار الطويل عند بوابات الاستاد بسبب مشاكل تنظيمية يدمر تلك القيمة ويتحول إلى شكوى.
كان فيبلين يعتقد أن المكانة الاجتماعية تشترى بالمال؛ أما اليوم، وفي ظل اقتصاد الانتباه ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المكانة تشترى بالانتظار. الشركات التي تفهم هذه الديناميكية وتصمم تجارب الانتظار بذكاء ستتمكن من تحويل الدقائق الضائعة إلى أرباح وقيمة مضافة، بشرط أن يظل المنتج النهائي يستحق هذا العناء.

