Published On 10/7/2026
لفترات طويلة، ظلت الأسواق الأفريقية حكرا على الشركات العابرة للقارات، لا سيما في القطاعات الإستراتيجية الحيوية مثل الطاقة، والتكنولوجيا المالية، ومستحضرات التجميل. غير أن المشهد الاقتصادي في غرب القارة يشهد اليوم نقطة تحول استثنائية، حيث برزت قوى اقتصادية محلية ناشئة نجحت في كسر احتكار العمالقة الأجانب وتفوقت عليهم في الحصص السوقية.
ثلاث تجارب ملهمة من قلب ساحل العاج تكشف كيف تحولت شركات هي في الأصل مشروعات عائلية أو محلية ناشئة إلى أرقام صعبة تهز عروش الشركات متعددة الجنسيات
اقرأ أيضا
list of 3 itemsend of list
“بترو إيفوار”.. كسر احتكار عمالقة النفط
عام 1994، تأسست شركة “بترو إيفوار” كشركة محاطة بسوق يخضع بالكامل لهيمنة الشركات متعددة الجنسيات، لتقف اليوم كأكبر موزع محلي للمنتجات النفطية، والثالثة – في الترتيب العام – خلف العملاقين العالميين “توتال إنرجيز” و”شيل”.
المدير العام للشركة، سيباستيان كاديو-موروكرو، وفي حديث خاص للجزيرة نت، كشف عن الرؤية التي منحتهم هذا التميز قائلا: “في تسعينيات القرن الماضي، كانت السوق تُدار حصرا من قبل الشركات متعددة الجنسيات. وكانت الفكرة الأساسية لوالدي (المؤسس) هي أنه بالنظر إلى الكفاءة المكتسبة في هذه المهنة، كان من المهم أن يقدم شيئا أكثر محلية، مع الالتزام بالمعايير الدولية في آن واحد”.
ويشير كاديو-موروكرو إلى أن الشركة استطاعت اقتناص حصة سوقية تبلغ 15% رغم التاريخ الطويل للمجموعات الدولية، مضيفا: “نحن نتمتع بمرونة وسرعة حركة أكبر من المجموعات الدولية الكبرى. فعندما يتعين اتخاذ قرار إستراتيجي، يمكننا القيام بذلك بسرعة كبيرة واستدعاء مجلس الإدارة والمضي قدما دون المرور بسلسلة طويلة ومعقدة من اتخاذ القرار في العواصم الغربية.. هذه المرونة تخلق فرصا هائلة”.

وتجلت هذه المرونة بوضوح في قطاع غاز البوتان، حيث اقتحمت الشركة هذا المجال عام 2010 في وقت كانت الشركات الأجنبية تتجاهله، لتصبح اليوم رائدة السوق بلا منازع، وبفارق مبيعات يصل إلى 10 آلاف طن شهريا عن أقرب منافسيها الدوليين.
ولا تتوقف طموحات الشركة عند توزيع الوقود والغاز، بل تقود اليوم قاطرة التحول نحو الطاقة المتجددة في ساحل العاج عبر الاستثمار المبكر في محطات شحن السيارات الكهربائية والهجينة، لمواكبة خطة الدولة برفع نسبة السيارات الكهربائية بحلول عام 2030.
وفي نصيحة وجهها للشركات الناشئة الأفريقية التي تطمح لهزيمة المنافسين العالميين، قال كاديو-موروكرو للجزيرة نت: “إن المسألة تتعلق بالعقلية والرؤية في المقام الأول، النصيحة الجوهرية والوحيدة هي أن يثق الأفارقة في بلدانهم، وأن يثقوا في أنفسهم وقارتهم. فلا يوجد أي مبرر يمنعنا من تحقيق النجاح في بلداننا.. ولا يمكن لأحد أن يبني القارة الأفريقية بكفاءة سوى الأفارقة أنفسهم”.

منصة “جامو”.. ثورة تكنولوجيا مالية
وفي هذا البلد الأفريقي، وحيث ظل القطاع المصرفي لعقود طويلة حكرا على مؤسسات مالية تقليدية وبنوك أجنبية كبرى، انطلقت منصة “جامو” لتحدث ثورة نوعية غيرت وجه التكنولوجيا المالية، وتصبح اليوم البنك الرقمي الأسرع نموا في المنطقة، بخدمات تشمل الحسابات الجارية، والادخار، والاستثمار عبر تطبيق في الهواتف الذكية، يقدم خدماته لأكثر من مليوني عميل و10 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة.
وفي حديثه للجزيرة نت، استعرض مؤسس منصة “جامو”، حسن بورجي، التحديات التي واجهت الفكرة في مهدها قائلا: “إن العقبة الأكبر التي واجهتنا تمثلت في أن بلادنا لم تكن مدرجة على خارطة مستثمري رأس المال الجريء من قبل، حيث كانت هذه الاستثمارات تتدفق بشكل أساسي نحو أربعة أسواق رئيسية هي نيجيريا، وكينيا، وجنوب أفريقيا، ومصر”.
إلا أن “جامو” نجحت في قلب الطاولة وإعادة توجيه بوصلة الصناديق الاستثمارية العالمية. ويضيف بورجي: “نجحنا في تغيير هذه الصورة تماما عبر إثبات مدى القدرة على تنمية وتوسيع حجم الشركات في منطقتنا، وإبراز مدى استقرار الاقتصاد والعملة (الفرنك الأفريقي) هنا مقارنة بالدول الأخرى الناطقة بالإنجليزية، ما منحنا بيئة آمنة تتيح البناء والتوسع”.
تغلبت المنصة على معضلة تفتت الأسواق في غرب أفريقيا من خلال استغلال التكامل الاقتصادي الإقليمي، الذي يربط ساحل العاج بسبعة أسواق مجاورة، معتمدة على استقطاب فئة الشباب. ويشير بورجي إلى أن: “الجيل زد كان بمثابة حجر الأساس الذي بنينا عليه عروضنا، لأننا تمكنا من تقديم تجربة مستخدم تضاهي ما يختبرونه يوميا في التطبيقات العالمية. وإن نقل هذه التجربة السلسة والمألوفة إلى قطاع الخدمات المالية كان المحرك الرئيسي لجذب الشباب، قبل أن نتوسع لاحقا لاستقطاب الآباء والأمهات”.
وبفضل التمويل متناهي الصغر والوساطة المالية المدعومة ببيئة تشريعية مرنة، تحولت “جامو” إلى نموذج ملهم صاغ هوية مالية جديدة. ويختتم حسن بورجي حديثه قائلا: “لقد أصبحنا بمثابة نموذج يحتذى به اليوم، فقبل “جامو” لم يكن أحد يدير حياته المالية بالكامل عبر تطبيق رقمي، واليوم أصبح هذا الأمر شائعا وطبيعيا للجميع في ساحل العاج والسنغال، ونتطلع قريبا لنقل التجربة لأسواق جديدة لتلبية الطلب الإقليمي المتزايد”.

“كايرا القابضة”.. حضور في 32 دولة
في قطاع مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، استطاعت مجموعة “كايرا القابضة” كتابة قصة صعود استثنائية، فتحولت من شقة ضيقة وميزانية متواضعة إلى إمبراطورية صناعية تصدر منتجاتها إلى أكثر من 32 دولة حول العالم، بما في ذلك أسواق أوروبا والشرق الأوسط.
يروي الرئيس التنفيذي للمجموعة، فودي كايرا ياتاباري، في مقابلة مع الجزيرة نت، البدايات القاسية قائلا: “أنا أنتمي إلى جيل جديد من رواد الأعمال الذين يؤمنون بالتصنيع والتحويل المحلي. عندما بدأت عام 2009، كانت الإمكانيات عائقا كبيرا، انطلقنا من شقة صغيرة من غرفتين، وكنت استخدم سريرا عسكريا قابلا للطي أرفعه كل صباح لأحول غرفة النوم إلى مكتب عمل. لم ننجح حينها سوى في جمع 4 ملايين فرنك أفريقي (نحو 7000 دولار) لنبدأ بها صناعة الصابون”.
تمكنت الشركة المحلية من منافسة ماركات عالمية في عقر دارها، وكسر الصورة النمطية للمنتج الأفريقي، وفي هذا السياق، كشف ياتاباري عن سر تنافسيتهم قائلا: “الكثير من الناس لا يدركون ذلك، ولكن تكاليف التصنيع في أفريقيا اليوم يمكن أن تكون أقل مما هي عليه في الصين عندما تكون سلسلة القيمة متكاملة داخليا. نحن نقوم الآن بتصنيع العبوات والتغليف بأنفسنا، واستثمرنا في مطابعنا الخاصة، ونعتمد على مواد خام محلية مثل زبدة الشيا، مما جعلنا أكثر تنافسية من المنتجات المستوردة التي تُباع بأسعار مرتفعة”.

ويمتد طموح الشركة اليوم من رعاية أول كرسي أستاذية لعلم التجميل في أفريقيا الفرانكوفونية بالتعاون مع معاهد فرنسية، إلى التخطيط لغزو السوق الصينية بحلول عام 2027. واختتم ياتاباري حديثه بشعار الشركة الموجه للعالم: “أفريقيا اليوم تغيرت، ونحن نتحرك مسترشدين بطموحنا: من ساحل العاج إلى العالم”.
وتعكس النماذج الثلاثة مؤشرا على أن الهيمنة التقليدية للشركات متعددة الجنسيات في أفريقيا لم تعد قدرا محتوما، وأن الجمع بين فهم السوق المحلي واستغلال موارده مع فهم التقنيات الرقمية قد يمثل وصفة سحرية لانطلاق جيل جديد من رواد الأعمال الأفارقة.
