اوسار احمد /
نفى عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، بشكل قاطع ما راج حول تعرضه لأي معاتبة أو توبيخ من طرف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت. وأكد أن ما تم تداوله لا أساس له من الصحة، موضحًا أن علاقته بوزير الداخلية تندرج في إطار علاقة عمل عادية ومستمرة، بحكم الملفات المتعددة التي يتابعها معه بصفته رئيسًا للمجموعة النيابية للحزب.
بعيدًا عن هذا النفي، فإن ما يستحق التوقف عنده ليس الخبر في حد ذاته، وإنما الطريقة التي أصبح يُصنع بها الخبر. فالأخطر اليوم ليس نشر معلومة غير دقيقة فحسب، بل تحول بعض المنابر والصفحات إلى مصانع لروايات تُنسب فيها مواقف وتصرفات إلى مسؤولين كبار دون أي سند أو تأكيد رسمي. وإقحام أسماء مؤسسات سيادية أو مسؤولين سامين في أخبار مبنية على التخمين أو على “مصادر مجهولة” لا يخدم حق المواطن في الوصول إلى المعلومة، بقدر ما يغذي مناخًا من التأويل والإشاعة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن البعض بات يتحدث وكأنه ناطق رسمي باسم وزير الداخلية، أو باسم مسؤولين سامين في الدولة، فيروي تفاصيل لقاءات، وينسب رسائل ومواقف لم يعلن عنها أصحابها أصلًا. وهذا السلوك لا يطرح فقط سؤال أخلاقيات المهنة، بل يمس أيضًا بصورة المؤسسات وهيبتها، ويجعل الإشاعة تبدو وكأنها مصدر مشروع للمعلومة.
فالصحافة لا تُبنى على الانطباعات، بل على الوقائع. وهي مطالبة دائمًا بالتمييز بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة المؤكدة والانطباع الشخصي. أما تحويل الكواليس إلى حقائق قطعية، فهو انزلاق مهني يسيء إلى الصحافة قبل أن يسيء إلى المؤسسات التي تُزج أسماؤها في روايات غير موثقة.
وما يدعو إلى القلق أكثر هو أن أسلوب صناعة الأخبار من الكواليس، الذي اشتهر به حميد المهداوي في أكثر من مناسبة، بدأ يجد من يقلده، حتى كاد يتحول لدى البعض إلى ممارسة صحفية عادية. فعندما يصبح التخمين خبرًا، والإيحاء معلومة، والسيناريو واقعة، فإننا لا نكون أمام عمل صحفي يقوم على التحقق، وإنما أمام صناعة لروايات قد تؤثر في الرأي العام دون أن تستند إلى أدلة أو تأكيدات رسمية.
وفي النهاية، فإن هذه الممارسات لا تخدم أحدًا. فهي لا تمنح عزيز أخنوش مكسبًا سياسيًا، ولا تضيف لعبد الله بوانو رصيدًا سياسيًا، ولا ترتقي بجودة النقاش العمومي. بل إنها لا تنتج سوى مزيد من التوتر، وتغذي الإشاعة على حساب الحقيقة، وتحول المؤسسات إلى مادة للتأويل اليومي. وحين تصبح الكواليس أهم من الوقائع، يخسر الجميع: السياسة، والإعلام، وثقة المواطن في مؤسسات بلاده.
![]()
![]()
