انتقل إلى المحتوى
كل الأخبار

من مشهد إلى طهران.. شعارات الشارع الإيراني تفتح معركة الاتفاق مع واشنطن | أخبار

نُشر: 6 دقيقة قراءة
من مشهد إلى طهران.. شعارات الشارع الإيراني تفتح معركة الاتفاق مع واشنطن | أخبار

قبل أن يُوارى جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الثرى في مدينة مشهد أمس الخميس، لم تكن الشعارات المرفوعة في مراسم الدفن موجهة إلى الخارج فقط. فإلى جانب الهتافات المعتادة ضد أمريكا وإسرائيل، ارتفعت، بحسب مقاطع متداولة وشهادات من أجواء المراسم، شعارات تقول: “الموت للخونة”، في مشهد أعطى الخلاف الداخلي حول الاتفاق مع واشنطن بُعدا أكثر حساسية، لأنه وضع معركة التفاوض داخل واحدة من أكثر المناسبات السياسية رمزية في إيران.

لم يكن ما حدث في مشهد معزولا، ففي مراسم التشييع بطهران بداية الأسبوع، اتخذت الهتافات طابعا أكثر هجوما، حيث واجه الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي شعارات مناوئة من معارضي الاتفاق، بينها “الموت للمساوم” و”الموت للخائن بائع الوطن”.

بهذا المعنى، انتقلت معارضة الاتفاق من مساحة السجال السياسي والإعلامي إلى الشارع التعبوي. فلم يعد الخلاف يدور فقط بين حكومة بزشكيان وخصومها في البرلمان أو الصحف المحافظة، بل بات يظهر في هتافات ميدانية تستهدف رموز التفاوض في لحظة عامة ومشحونة.

ومع أن الشعارات الموثقة في طهران ركّزت خصوصا على بزشكيان وعراقجي، فإن الحملة السياسية الأوسع طالت أيضا رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بوصفه جزءا من التوازن الداخلي الذي وفّر غطاء لمسار التفاوض.

وتكمن حساسية استهداف قاليباف في أنه لا ينتمي إلى التيار الإصلاحي أو المعتدل بالمعنى التقليدي، بل إلى الجناح الأصولي، لكنه ظهر، في هذا الملف، أقرب إلى موقع الشريك المؤسسي في إدارة مسار التفاوض.

لذلك يتعامل معه متشددون باعتباره جزءا من “ثلاثي” يضم بزشكيان وعراقجي وقاليباف، أي الرئيس، ووزير الخارجية، ورئيس البرلمان، أو بعبارة أخرى، الواجهة السياسية والدبلوماسية والمؤسسية للاتفاق مع أمريكا.

Minister of Foreign Affairs of Iran, Seyyed Abbas Araghchi, left, and Speaker of the Islamic Parliament of Iran, Mohammad Bagher Ghalibaf, right, at the Buergenstock resort in Obbuergen, near Lucerne, Switzerland, Sunday, June 21, 2026. URS FLUEELER/Pool via REUTERS
تتكرر تجربة ظريف مع عراقجي وقاليباف بمواجهة التيار المناهض للحوار (رويترز)

الشارع التعبوي

وفي هذا السياق، يرى الصحفي والمحلل السياسي رضا غبيشاوي أن الهتافات التي استهدفت بزشكيان وعراقجي في مراسم التشييع يجب أن تُقرأ ضمن حضور القوى المتشددة داخل إيران. ويقول للجزيرة نت: إن “في كل مجتمع توجد قوى متطرفة، وفي كل مجتمع مفتوح أو شبه مفتوح تجد هذه القوى فرصة للظهور”، لكنه لا يتعامل معها بوصفها هامشية، إذ يرى أن هناك “تصورا عاما ومؤشرات جدية” تؤكد أن هذه القوى تملك قدرة على التأثير تتجاوز دور قوة الضغط التقليدية، ويمكنها التأثير في القرار والتنفيذ.

وبحسب غبيشاوي، فإن هذه القوى غاضبة من مفاوضات حكومة بزشكيان، ومن دور عراقجي بصفته وزيرا للخارجية، ومن موقع قاليباف بصفته رئيسا للبرلمان ورئيسا للوفد المفاوض. ويضيف أن التيارات المتشددة تعبّر عن غضبها بأشكال مختلفة، وأن بعض القوى السياسية المنافسة للحكومة أو الموجودة خارجها تستفيد من هذه التيارات لإضعاف بزشكيان، حتى لو أدى ذلك، وفق قوله، إلى الإضرار بمصالح البلاد والنظام.

ويشرح غبيشاوي أن الشعارات التي ظهرت في التشييع تكشف مستوى من الغضب داخل تجمعات دينية متشددة، تحمّل بزشكيان وعراقجي وقاليباف مسؤولية ما جرى، بل تصل، وفق تقديره، إلى تحميلهم مسؤولية مقتل المرشد السابق، والمطالبة بوقف التفاوض مع واشنطن ومواصلة الحرب مع أمريكا وإسرائيل حتى “هزيمة ترمب وتدمير إسرائيل”. ويصف هذه المطالب بأنها غير واقعية وغير ممكنة حتى من وجهة نظر القوى المعتدلة داخل التيار الأصولي.

هنا يصبح السؤال المركزي: “أي شارع دخل معركة الاتفاق؟”، فالهتافات لا تعني بالضرورة أن الشارع الإيراني كله ضد التفاوض، لكنها تكشف أن الشارع التعبوي المتشدد تحرك لمحاصرة الفريق السياسي الذي يدفع باتجاه الاتفاق. ويفرق غبيشاوي بين الشارع الشعبي العام وبين “نشاطات المتشددين الأصوليين”، مشيرا إلى أن الشارع كان دائما جزءا من ميدان السياسة في إيران، لكنه في هذه الواقعة ليس شارعا معيشيا واسعا بقدر ما هو قاعدة أيديولوجية منظمة.

وهذا التمييز ضروري لفهم المشهد، حيث يسأل غالبا الشارع العام، المثقل بالتضخم والعقوبات والخوف من الحرب، عن أثر الاتفاق على الأسعار والعملة وفرص العمل ورفع القيود الاقتصادية. أما الشارع التعبوي المتشدد فيحاكم الاتفاق بلغة مختلفة، لغة الولاء والخيانة، المقاومة والمساومة، والردع والاستسلام.

TOPSHOT - This handout photograph provided by the Iranian supreme leader office (Khamenei.IR) shows mourners gathering to pray for Iran's slain supreme leader Ayatollah Ali Khamenei during the second day of funeral ceremonies at the Grand Mosalla in Tehran on July 5, 2026.
الرايات الحمر رُفعت في تشييع جنازة خامنئي إشارة للثأر (الفرنسية)

عادة رفض الحوار

من جهته، لا يحصر أستاذ العلاقات الدولية عباس أصلاني معارضة التفاوض مع أمريكا في الأجنحة السياسية التقليدية فقط. ويقول للجزيرة نت: إن جزءا من هذه المعارضة يعود فعلا إلى قوى سياسية اعتادت رفض الحوار مع واشنطن أو انتقاده، لكن جزءا آخر يعود إلى “قاعدة حقيقية وقسم معتبر من الناس”، خاصة بعد الأحداث الأخيرة وما رافقها من غضب وانتشار شعارات ورايات “الانتقام” في مراسم التشييع والدفن.

ويشرح أصلاني أن رفض هذه الشريحة أي تفاوض مع أمريكا يستند إلى سببين رئيسيين، أولهما الاعتقاد بأن الأمريكيين لا يلتزمون بالاتفاقات، وأن التجارب الأخيرة عززت هذا القلق.

أما السبب الثاني فيرتبط بما جرى بعد اغتيال المرشد الإيراني وقادة كبار، وما تبعه، وفق قوله، من هجمات على مناطق ومنشآت غير عسكرية، بينها حادثة ميناب والهجمات على مستشفيات ومدارس ومناطق سكنية، وهو ما أدى إلى غضب واسع داخل المجتمع وزاد من سوء الظن بواشنطن.

وبحسب أصلاني، فإن هذه الشريحة ترى أن أمريكا لا تبحث عن اتفاق مفيد للطرفين، بل عن إضعاف إيران ودفعها إلى التسليم، لذلك لا تبدو المعارضة، في هذه الحالة، موقفا حزبيا فقط، بل موقفا أمنيا وأخلاقيا أيضا، خاصة لدى من يربطون التفاوض بما تعرضت له البلاد خلال المواجهة الأخيرة.

لكن أصلاني يشير في الوقت نفسه إلى أن قطاعات واسعة من المجتمع، سواء المؤيدة للتفاوض أو المتحفظة عليه، تنظر إلى أي اتفاق من زاوية نتائجه الاقتصادية. فعلى مدى سنوات، ارتبطت المفاوضات مع واشنطن في الوعي العام بسؤال رفع العقوبات وتحسين الوضع المعيشي. وهذه المرة، أضيف إلى ذلك مطلب آخر هو رفع التهديد الأمني وإبعاد شبح الحرب عن البلاد.

VIENNA, AUSTRIA - JULY 04: Iranian President Hassan Rouhani (R) and Mohammad Javad Zarif, Iran's foreign secretary, at the Austrian Chamber of Commerce on July 4, 2018 in Vienna, Austria. Rouhani is on a one-day visit to Austria, during which he is meeting with President van der Bellen and Chancellor Kurz and will attend an event at the Austrian Chamber of Commerce. (Photo by Michael Gruber/Getty Images)
روحاني وظريف هوجما من قِبل معارضة الاتفاق أثناء الاتفاق النووي عام 2015 (غيتي)

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الحديث عن إطار اقتصادي واسع ضمن الاتفاق، فقد ذكرت المصادر أن إطار الاتفاق الأمريكي الإيراني يتضمن صندوقا خاصا للاستثمار وإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 300 مليار دولار، بتمويل من القطاع الخاص، مع التزامات تفوق نصف هذا الرقم، وأنه يستهدف قطاعات مثل الطاقة واللوجيستيات والتصنيع والنقل. وعليه فإن الاتفاق قد يوفر لإيران مكاسب اقتصادية محتملة عبر رفع العقوبات وتحرير أصول مجمدة، لكن كيفية عمل هذا المسار لا تزال غير واضحة بالكامل.

في المقابل، يثير هذا الجانب الاقتصادي نفسه شكوك المتشددين. ويقول أصلاني إن القلق لا يتعلق فقط بإمكان الوصول إلى اتفاق، بل بما إذا كان هذا الاتفاق قابلا للاستمرار والتنفيذ، خصوصا مع إدارة مثل إدارة ترمب.

ويستحضر تجارب أمريكية سابقة، من غزة إلى أوكرانيا وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا، ليقول إن واشنطن، في نظر كثيرين، قد تستخدم الاتفاقات للمناورة السياسية وإظهار “فن الصفقة”، من دون أن تتحول بالضرورة إلى نتائج عملية مؤثرة، ولذلك يخشى مسؤولون وقطاعات من الناس أن يبقى أي اتفاق حبرا على ورق من دون أثر واضح على حياة المواطنين.

وتعيد هذه اللحظة إلى الذاكرة الإيرانية تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، حين دافع الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف عن التفاهم مع الغرب باعتباره طريقا لرفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي، بينما اتهمهما خصومهما بتقديم تنازلات واسعة. وبعد انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018، تحولت التجربة إلى حجة دائمة في خطاب المتشددين ضد أي تفاوض جديد مع أمريكا.

اليوم، يعود السجال نفسه بأسماء جديدة. بزشكيان يحل محل روحاني في موقع الرئيس الذي يراهن على التفاوض، وعراقجي يحضر بوصفه واجهة دبلوماسية تشبه، في نظر خصومه، تجربة ظريف، أما قاليباف فيدخل المعادلة من موقع مختلف، فهو أصولي شارك في توفير غطاء سياسي ومؤسسي لمسار لا يرضى عنه المتشددون.

لذلك، فإن شعار “الموت للخونة” في مشهد، والهتافات ضد بزشكيان وعراقجي في طهران، والحملة الأوسع ضد قاليباف، لا تبدو مجرد غضب عابر في مراسم تشييع ودفن. بل إنها مؤشر إلى أن معركة الاتفاق مع أمريكا خرجت من مستوى النخب إلى الشارع المنظم، حيث تتحول الشعارات إلى وسيلة ضغط على الحكومة، وتصبح كلفة التفاوض جزءا من الصراع الداخلي على معنى “المقاومة” وحدود الدبلوماسية بعد الحرب.

شارك Facebook X Telegram

الأكثر قراءة

  1. من هو ناير ناجي.. المايسترو المصري الذي قاد الأوركسترا في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية
  2. السيسي يوجه الحكومة بفتح المجال العام للحوار الاعلامي وسماع الرأي والرأي الآخر
  3. السيسي من مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة: ثورة 30 يونيو كانت معركة ضد الإرهاب لتحقيق حلم المصريين
  4. السيسي من الأوكتاجون: مصر لن تنحني إلا لله ولن تسمح بالمساس بأمنها القومي
  5. السيسي يفتتح مقر القيادة الاستراتيجية ويؤكد ان التكاتف والعمل الجاد طريق التقدم
  6. السيسي يهنئ الشعب المصري بتأهل المنتخب لدور الـ16 في كأس العالم: ربنا كرمنا وجبر بخاطرنا

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *