Published On 10/7/2026
الساعة الثامنة صباحا، يصدح مذياع صغير بصوت أم كلثوم تغني “يا صباح الخير ياللي معانا”، فطور خفيف وكوب من الشاي، يتناوله الرجل الستيني وهو يتصفح الجريدة، في طقس يومي لم يتغير منذ أن تقاعد قبل سنوات، ثم يعيد ترتيب المنضدة ويحمل أوراقه وأقلامه وحقيبة بلاستيكية صفراء تحتضن أعز ما يملك، ثم يتجه نحو رصيف مترو المعادي، وفي ركن ظليل يستقر محمد مدبولي، ويبدأ في ممارسة هوايته التي لم تتغير منذ الطفولة.. “سأموت إذا لم أرسم”.

بضع درجات في الثانوية العامة حرمت الطالب محمد مدبولي من تحقيق حلمه في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، رغم اجتيازه امتحانات القدرات، ليلتحق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بمعهد فني صناعي لعامين، ثم تخرج فيه والتحق بالعمل في التصميم الهندسي في القوات المسلحة بعد أداء الخدمة العسكرية، استمرت أقلام وأجندة الرسم رفقاء له منذ أن أخبره مدرس التربية الفنية ذات يوم بأن داخله فنانا ينافس الرسامين العالميين.

ولم ينافسهم مدبولي فقط في الموهبة، لكنه كذلك نافسهم في أقدارهم، فكما حُرم فان غوخ من الحب والزواج، عاش مدبولي حياته كلها يبحث عن الحب والزواج والحياة العائلية المستقرة في أحضان أطفال ينجبهم للعالم يورثهم موهبته وعشقه للرسم، لكن لم يمنحه الله هذه الأمنية، فصار يخرج كل يوم من بيته في ضاحية المعادي بالقاهرة، يبحث عمن يعلمه اليوم ويترك في حياته أثرا ملونا.

رصيف المترو
الخيال هو حيلة مدبولي في الرسم، لا يجلس على رصيف المترو يسجل وجوه المارين من حوله، أو الأشجار الثابتة، وعربات القطارات المتلاحقة، لكن صوت القطار والموسيقى المنبعثة من إذاعة المحطة تمنحه سكونا يجعله يستطيع أن يسترجع من ذاكرته عشرات الصور التي تستحق أن تخلد في ذاكرة دفاتر الرسم التي تحملها حقيبته البلاستيكية ذات اللون الأصفر الفاقع، فسجل فيها لوحات المسيح المصلوب، وصورا من فلسطين المغتصبة، ولوحات من غزة وأهلها، وصورا عن مصر وطبيعتها الساحرة، ووجوه أهلها المتعبة، ونساء شاحبات يبحثن عن الحب أو العيش، “الرسم ليس مجرد هواية.. بل هو قطعة من روحي”.

يقول محمد مدبولي -67 عاما- للجزيرة نت إن استمرار قدرته على الخروج من منزله كل صباح وممارسة هوايته الأثيرة يوميا، هو ما يحفظ له روحه وحياته، بعد أن تقاعد من العمل، وتقلصت واجباته العائلية بعد أن غيبت الغربة إخوته، فلم يعد يراهم سوى بضعة أيام كل عام، فصار خوفه من الوحدة هو باعثه الأول نحو البحث عن حياة مختلفة تخلو من أمراض الشيخوخة ووهن الروح. اختيار مدبولي لمحطة مترو المعادي لم يكن سببه الوحيد هو قربها من منزله.

لكن مرور آلاف الأشخاص بها كل يوم، يمنحه فرصة لتبادل الأحاديث مع الكثيرين دون ترتيب مسبق، بعكس ما يحدث إن جلس في مقهى من المقاهي المنتشرة in شوارع المعادي، فهناك لا مجال لأحاديث غير مرتبة، وفرص نادرة in أن يسأله أحد المنشغلين بهواتفهم عما يرسمه، لكن في مترو المعادي دائما هناك سؤال “هل ترسم؟”.

المصادفة منحت مدبولي الشهرة المتأخرة
من بين عشرات يقابلهم مدبولي كل يوم ويشاهدون رسوماته، انتشر مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي صورته فتاة تدرس في كلية الطب بعد أن قابلت مدبولي على رصيف المحطة ولاقى آلاف الإعجابات. لم يكن الفنان يرسم فقط، بل كان كذلك يشرح أساسيات الرسم، ويخبرها عن استعداده لتعليم أي شخص الرسم من الصفر، لم يتوقع مدبولي هذا الحجم من الانتشار.

مدبولي لا يتابع مواقع التواصل، ويكتفي بحساب على واتساب لمحادثة إخوته كل صباح، ثم يغلقه لآخر اليوم، لكن في ذلك اليوم لم تنقطع الاتصالات، البعض يمدح فنه الفطري، وآخرون يسألونه توجيها وتعليما، وثالث طلب منه أن يقيم معرضا للوحاته، ويحفظها من النسيان. ويقول: “لم أفكر في ذلك من قبل، لكني قررت أن أقيم المعرض في أقرب وقت، ربما كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها القدر ليمنحني فرصة أخيرة”.

دفتر مدبولي وجوزيف
“جوزيف” طالب في السنة الأخيرة بكلية الفنون الجميلة، استوقفه دفتر الرسومات الذي يقلب مدبولي أوراقه، وقف أمامه ليسأله: “هل ترسم؟ هل يمكنني رؤية ما رسمت؟”. تهللت أسارير مدبولي للفتى، وأخذ يقلب أوراق دفتره ويعرض عليه الرسومات شارحا له المنظور والتكوين وزاوية المنظور وكيفية التداخل. سأله الشاب عن عمله وإذا ما كان مدرسا للتربية الفنية، وعرف أنه مجرد هاو، فأخرج له دفتره الصغير الذي خصصه للرسم في المواصلات، فرح مدبولي بالفنان الشاب، ورأى فيه نفسه صغيرا. دعا له أن يكون أفضل حظا منه، وأن تمنحه الأقدار أكثر من مجرد فرصة على رصيف مترو المعادي.
