لما يقارب قرنا من الزمن، والكأس الذهبية تختار المدرب ابن البلد دائما، منذ أول نسخة عام ١٩٣٠ إلى اليوم، لم ينجح أي مدرب أجنبي في قيادة منتخب إلى التتويج، وهي قاعدة تبدو أقوى من أي تيار عولمة أو انفتاح.
نسخة ٢٠٢٦ بدت مختلفة هذه المرة. النقاش كان حادا حول إمكانية كسر هذا التقليد. كان لديك أنشيلوتي مع البرازيل، وتوخيل مع إنجلترا، وهما من أبرز الأسماء في تدريب الأندية. واعترف أنشيلوتي نفسه أن العمل مع المنتخبات يختلف جذريا، فالوقت ضيق والمنظومة صعبة البناء خلال فترات التجمع القصيرة.
لكن المشهد الختامي أعاد كتابة القصة نفسها. خرج الأجنبيان من السباق بينما بلغ النهائي الإسباني لويس دي لا فوينتة والأرجنتيني ليونيل سكالوني، كل واحد مع منتخب بلده. الكأس أعادت تأكيد ولاؤها.
الفارق بين لا فوينتة وأنشيلوتي ليس في الكفاءة بقدر ما هو في المسار. قضى الإسباني سنوات طويلة داخل المنظومة الإسبانية قبل الوصول للمنتخب الأول، قاد فيها منتخبات الشباب والأولمبي وحقق لقب أوروبا لأقل من ١٩ ثم ٢١ سنة، ثم نقل المنتخب الأول إلى دوري الأمم الأوروبية فالنهائي. ليس دخول فجائي، بل تراكم.
الحال نفسه مع سكالوني. تولى الأرجنتين بعد خيبة ٢٠١٨ وأطلق مشروعا طويل الأمد، أعاد بناء فريقه تدريجيا حتى حقق كوبا أمريكا وكأس العالم ٢٠٢٢، ثم بلغ النهائي مرة أخرى. لم يكن حلا سريعا، بل استثمارا موسميا.

وفي منطقتنا، المغرب يختصر الدلالة ذاتها بوضوح أكثر. أسود الأطلس بلغوا دور الثمانية في ٢٠٢٦ تحت قيادة محمد وهبي، وكانت هذه المرة الثانية التي يصل فيها منتخب عربي وإفريقي إلى هذا الدور في المونديال. كل ذلك جاء بفضل استمرارية الرؤية الوطنية، التي راكمتها من قبل وليد الركراكي الذي قادهم إلى النهائي عام ٢٠٢٢.
لا يعني هذا أن المدرب الأجنبي أقل قدرة. التاريخ مليء بأسماء نجحت مع منتخبات ليست من أوطانها. جورج راينور قاد السويد لنهائي ١٩٥٨، إرنست هابل قاد هولندا لنهائي ١٩٧٨، وجوس هيدينك أوصل كوريا الجنوبية قبل النهائي عام ٢٠٠٢. لكن الكأس النهائية فقط ظلت حكرا على من يفهمون الثقافة المحلية بعمق.
كارلوس ألبرتو باريرا، الذي أحضر البرازيل بالكأس عام ١٩٩٤، كان من أبرز من أكد أن تدريب المنتخب يختلف جذريا عن تدريب الأندية، وأن فهم التركيبة الكروية المحلية عنصر أساسي في البطولات الكبرى.
والمفارقة أن كرة القدم كلما ازدادت عولمة وانفتاحا، ازدادت بطولة العالم تمسكا بهذه الفكرة. الاتحادات تتسابق لاستقطاب أشهر الأسماء، لكن الكأس مستمرة في إرسال الرسالة ذاتها منذ ستة وتسعين سنة، وحتى الاتحاد الدولي لكرة القدم توقف عند هذه الظاهرة في تقرير نشره قبل البطولة، متسائلا عما إذا كان مدرب أجنبي سيتمكن أخيرا من الفوز، قبل أن يذكر بأن جميع النسخ السابقة انتهت بتتويج مدرب وطني.
