تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

حزب موالٍ في الجزائر يستنكر المواقف الهجومية لنخب تونسية بعد تصريحات تبون ويدعو للاتعاظ مما حدث مع مالي والنيجر وليبيا

Ahmed Shokre6 دقائق قراءة0 مشاهدة

الجزائر- “القدس العربي”: أبدت حركة البناء الوطني استنكارها لما وصفته بـ”الهجمة غير المسبوقة” التي شنتها بعض النخب التونسية ضد الجزائر عقب الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون بشأن أمن تونس، معتبرة أن تلك المواقف لا تعكس طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، مع الدعوة إلى عدم الزج بالعلاقات الجزائرية- التونسية في السجالات السياسية والإعلامية.

وجاء موقف الحزب الذي يقوده عبد القادر بن قرينة وهو من أبرز الداعمين للرئيس تبون، ضمن بيان حمل عنوان “بيان حول الهجمة غير المسبوقة من بعض النخب في الشقيقة تونس”، حيث أعربت حركة البناء الوطني عن أسفها لما اعتبره “محاولات استهداف الجزائر”، سواء كانت – بحسب البيان – ناتجة عن “سوء فهم للسياسات أو سوء تقدير للدور الجزائري الأخوي والثابت تجاه دول الجوار عموما، وتونس الشقيقة خصوصا”.

ورأت الحركة التي تضم 40 مقعدا في البرلمان الجديد، أن الجزائر ظلت تتعامل مع محيطها الإقليمي وفق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبرة أن ما قدمته لتونس خلال السنوات الماضية يندرج في إطار الدعم الأخوي بعيدا عن أي حسابات سياسية أو إملاءات.

ولم يكتف البيان بالتعبير عن الاستياء، بل وجه رسالة مباشرة إلى منتقدي الجزائر في تونس، داعيا إياهم إلى “الاعتبار والاتعاظ” بما حدث في دول الجوار، وقال إن بعض النخب في مالي والنيجر، وقبل ذلك في ليبيا، وقعت ضحية “التضليل الذي مارسته بعض الدوائر الخارجية والقوى المشبوهة”، والتي اتهمت الجزائر بالتدخل في شؤون تلك الدول، قبل أن تكتشف – بحسب البيان – عدم صحة تلك الادعاءات، مشيرا إلى أن مالي والنيجر عادتا اليوم إلى استعادة مسار علاقاتهما الطبيعية مع الجزائر.

وأكدت الحركة أن العلاقات الجزائرية- التونسية “أكبر من أن تنال منها التصريحات المتسرعة أو التحليلات القاصرة”، داعية النخب السياسية والإعلامية في البلدين إلى تغليب الحكمة والابتعاد عن الحسابات الضيقة التي قد تمس بالموروث التاريخي المشترك.

وأشادت في المقابل بما وصفته بموقف الدولة الجزائرية القائم على مرافقة الأشقاء، ولا سيما دول الجوار، “بسخاء بلا ضجيج ودون منّ”، وفي إطار الالتزام الصارم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبرة أن هذا المبدأ ظل يؤطر السياسة الخارجية الجزائرية.

كما جددت الحركة دعوتها إلى تعزيز روابط الأخوة والجوار بين شعوب شمال إفريقيا، مؤكدة أن الأمن القومي لدول المنطقة “كل متكامل لا يتجزأ”، وأن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء مشاريع التكامل الاقتصادي والتنموي، والتنسيق الاستراتيجي لمواجهة التحديات المشتركة، بدل الانجرار إلى سجالات سياسية من شأنها إضعاف المنطقة.

وفي ختام بيانها، دعت حركة البناء النخب الجزائرية والتونسية إلى تنشيط فضاءات الحوار وفتح قنوات جديدة للتواصل بما يحافظ على وحدة الصف ويعزز فرص الاندماج الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

ويأتي هذا الموقف الحزبي في خضم الجدل الذي أثارته تصريحات للرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، عندما قال إن “من يأتي بالإرهاب إلى جوار أو حدود تونس أو يهدد به تونس سنهدم خيمته”، في رسالة شدد من خلالها على أن الجزائر لن تسمح بتهديد أمن جارتها الشرقية.

ورغم أن التصريح جاء في سياق الحديث عن الإرهاب والأمن الإقليمي، إلا أنه فتح بابا واسعا للنقاش داخل تونس، حيث رأى بعض السياسيين والحقوقيين والإعلاميين أن صياغة العبارة قد توحي بأن الجزائر تتحدث من موقع الوصاية على تونس أو تتجاوز حدود التضامن التقليدي بين الدول، بينما اعتبر آخرون أن التصريح يندرج في إطار التأكيد على الترابط الأمني بين البلدين ولا يحمل أي مساس بالسيادة التونسية.

وتحوّل النقاش خلال الأيام الماضية إلى سجال سياسي وإعلامي، إذ صدرت مواقف ناقدة من شخصيات معارضة للرئيس قيس سعيّد، رأت أن العلاقات الأخوية لا تعني إطلاق تصريحات يمكن أن تُفهم باعتبارها تدخلا في الشأن التونسي، بينما ركزت أطراف أخرى على أن العبارات المستخدمة تستدعي توضيحات إضافية حتى لا تُستغل في تأويلات سياسية.

وفي مقابل هذه المواقف، برز تيار آخر داخل تونس دافع عن تصريحات الرئيس الجزائري، من خلال بيان وقّعته شخصيات سياسية وبرلمانية ومحامون وصحافيون وأكاديميون ومثقفون وفاعلون في المجتمع المدني، تحت عنوان “سيادة تونس في عمقها الإقليمي.. شراكة استراتيجية وأمن مشترك مع أشقائها”.

واعتبر الموقّعون أن تصريح تبون يعكس عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين، مؤكدين أن أمن تونس والجزائر مترابط بحكم الجغرافيا والتاريخ والتحديات المشتركة، وأن التعاون الأمني بين البلدين لا ينتقص من سيادة أي طرف، بل يعزز قدرتهما على مواجهة المخاطر العابرة للحدود.

وأشار البيان إلى أن الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات التهريب والتدخلات الخارجية تمثل تهديدات مشتركة لا تستطيع أي دولة التصدي لها بمفردها، ما يجعل التنسيق الأمني والتعاون بين الجزائر وتونس ضرورة تفرضها الظروف الإقليمية.

حذر الموقّعون من تحويل العلاقات الجزائرية- التونسية إلى مادة للمزايدات السياسية أو الصراعات الداخلية، معتبرين أن تلك العلاقات تمثل رصيدا استراتيجيا للشعبين والدولتين

كما حذر الموقّعون من تحويل العلاقات الجزائرية- التونسية إلى مادة للمزايدات السياسية أو الصراعات الداخلية، معتبرين أن تلك العلاقات تمثل رصيدا استراتيجيا للشعبين والدولتين، وأن التضامن بين البلدين لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، بل ينسجم مع منطق الشراكات الإقليمية التي أصبحت سمة أساسية في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.

وفي خضم هذا الجدل، جاءت أول مكالمة هاتفية بين الرئيسين عبد المجيد تبون وقيس سعيّد الخميس الماضي، لتبعث برسائل تهدئة. فقد أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الرئيس التونسي قدم تعازيه لنظيره الجزائري إثر حادث المرور المأساوي الذي أودى بحياة 25 شخصا، قبل أن يتبادل الرئيسان الحديث حول “العلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين الشقيقين والجارين”، مع تمنياتهما بمزيد من الازدهار للشعبين.

ورأى متابعون أن الإشارة الرسمية إلى “العلاقات الممتازة” تحمل دلالة سياسية، باعتبارها جاءت في وقت تصاعدت فيه التأويلات بشأن تصريحات تبون، وهو ما يعدّ تأكيدا من أعلى مستوى في البلدين على متانة العلاقات الثنائية وعدم تأثرها بالنقاشات الإعلامية والسياسية.

ولا تعد تصريحات الرئيس الجزائري الأخيرة الأولى من نوعها بشأن تونس، إذ سبق له في أبريل 2023 أن أكد أن الجزائر “لن تتخلى عن تونس”، وكشف آنذاك عن وجود مساع جزائرية للمساعدة على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء التونسيين، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الخيارات السياسية تبقى شأنا داخليا يقرره التونسيون وحدهم.

وقبل ذلك، أثارت تصريحات أدلى بها في مايو 2022 من العاصمة الإيطالية روما نقاشا مماثلا عندما تحدث عن ضرورة مساعدة تونس على تجاوز أزمتها.

وتقول الجزائر باستمرار إن مقاربتها تجاه تونس تستند إلى اعتبارات أمنية وجيوسياسية، تقوم على أن استقرار الجارة الشرقية يمثل جزءا من أمنها القومي، بالنظر إلى التحديات التي تعرفها المنطقة، خاصة على امتداد الحدود مع ليبيا ومنطقة الساحل، وما يرتبط بها من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

وفي الواقع، يعكس هذا الجدل الذي يتجدد بين الحين والآخر ثم يخمد سريعا قدرة العلاقات الجزائرية-التونسية على تجاوز السجالات الظرفية، إذ يظل التعاون الأمني والاستراتيجي بين البلدين أحد الثوابت التي تحكم سياستهما المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *