حينما يتحدَّث الناس عن مستقبل العمل، تتمحور النقاشات عادةً حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتكنولوجيات المتطورة. ونسمع أسئلة من قبيل: ما الوظائف التي ستختفي؟ وما هي الوظائف الجديدة التي ستظهر؟ وما المهارات التي سيزداد الطلب عليها؟ وكيف نُهيئ طلابنا لعالَم يتحوَّل بسرعة البرق؟
غير أن ثمة سؤالاً جوهرياً آخر يستحق أن نطرحه: مَن يضمن أن أنظمتنا التعليمية تُهيئ المُتعلِّمين حقاً لخوض غمار سوق العمل في المستقبل؟
تضخّ الحكومات في أنحاء العالم استثمارات ضخمة في التعلُّم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطوير المهارات وتأهيل القوى العاملة. بيد أن كثيراً من الطلاب لا يزالون يغادرون مقاعد الدراسة دون امتلاك مهارات راسخة في القراءة والكتابة والحساب والتواصل وحل المشكلات. ولا يرجع التحدي في أغلب الأحيان إلى غياب الرؤية أو القصور في السياسات، بل يكمن في القدرة على تحويل تلك الأفكار إلى واقع ملموس.
دور بارز لقيادة المنظومة التعليمية
حين يسمع الناس مصطلح «القيادة التعليمية»، يتبادر إلى أذهانهم في الأغلب مدير المدرسة. غير أن القيادة تتجلَّى في كل مستوى من مستويات المنظومة. فهي تشمل مسؤولي الوزارة وقادة المناطق التعليمية وأخصائي المناهج الدراسية وقادة المُعلِّمين وواضعي السياسات. ويُؤثِّر هؤلاء القادة مجتمعين في كل شيء، من المحتوى الذي يتلقَّاه الطلاب إلى أساليب دعم المُعلِّمين وآليات تخصيص الموارد.
في الواقع، تتزايد الأدلة البحثية التي تشير إلى أن القيادة من أقوى المُحرِّكات للنهوض بالتعليم. ويُسلِّط أحدث تقرير عالمي صادر عن اليونسكو لرصد التعليم وعنوانه «القيادة في التعليم: القيادة من أجل التعلُّم»، الضوءَ على الدور الذي تؤديه القيادة في تشكيل مُخرَجات التعلُّم، ودعم المُعلِّمين، وتمكين أنظمة التعليم من مواكبة التحوُّلات المتسارعة. ويرى التقرير أن القيادة الفعَّالة ركيزة لا غنى عنها لترجمة السياسات إلى تحسُّنات حقيقية ملموسة في حياة المُتعلِّمين.
تخلص منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى نتيجة مماثلة، إذ تكشف أبحاثها أن القيادة تضطلع بدور محوري في الارتقاء بجودة التدريس، وتعزيز روح التعاون، وقيادة مسيرة التحسين المستمر على مستوى المدارس وأنظمة التعليم.
القيادة تُحوِّل الإصلاح إلى واقع ملموس
ينتهج الكثير من البلدان إستراتيجيات تعليمية طموحة، غير أن التنفيذ لا يزال يُشكِّل تحدياً. فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية يبدو فكرةً جذَّابة، ويبدو تحديث المناهج الدراسية لتعكس احتياجات سوق العمل أمراً منطقياً، ويبدو توسيع فرص التعلُّم الرقمي ضرورة لا غنى عنها. بيد أنه لا يُمكِن لأي من هذه المبادرات أن ينجح بمفرده في معزل عن العوامل الأخرى.
يحتاج المُعلِّمون إلى التدريب، وتحتاج المدارس إلى الدعم، وينبغي مواءمة الموارد مع الأهداف المنشودة. ويجب أن يعمل كل أصحاب المصلحة معاً. ومن الضروري متابعة التقدُّم المُحرَز وإجراء التعديلات اللازمة عند الحاجة. وفي غياب قيادة قوية وفعَّالة، قد تجد حتى أفضل الإصلاحات صعوبةً في اكتساب الزخم اللازم لإنجاحها.
يُؤكِّد البنك الدولي على أهمية القيادة في قيادة مسيرة النهوض بالمدارس، مشيراً إلى أنه لا توجد في السجل التعليمي العالمي أمثلة على مدارس حقَّقت تحسُّناً ملموساً في نتائج طلابها في غياب قيادة فعّالة. فالقيادة هي الحلقة التي تصل بين الإستراتيجية والتنفيذ.
القاسم المشترك بين أنظمة التعليم الناجحة
يُعدُّ نظام التعليم في سنغافورة أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فحينما يتحدث الناس عن نجاح نظام التعليم في سنغافورة، فإنهم غالباً ما يُركِّزون على أداء الطلاب، متجاهلين ما هو أعمق أثراً: الاستثمار المدروس والمنهجي الذي قامت به الدولة في تطوير القيادات التربوية.
تحْرص سنغافورة على اكتشاف القيادات الواعدة في وقت مُبكِّر، وترسم مسارات قيادية واضحة المعالم لإعدادهم، وتواصل تنمية كفاءاتهم القيادية في مختلف مستويات النظام التعليمي.. ومن هذا الاستثمار المتواصل، ينبثق رصيد مُتجدِّد من القادة القادرين على قيادة التغيير، ودعم أداء المُعلِّمين، والتعامل مع التحديات المستجدة بمرونة واقتدار.
والدرس المستخلص الواضح الذي لا يحتمل التأويل: نادراً ما يتحقَّق التحسُّن المستدام نتيجةً لسياسة منفردة أو إصلاح معزول، بل يتحقق عندما يعمل القادة، على مدى الزمن، على تهيئة البيئة والظروف المواتية للنجاح.
ربط أنظمة التعليم بسوق العمل
يضطلع قادة التعليم أيضاً بدور محوري في تحقيق التوافق ما يتلقاه الطلاب من معرفة وما يحتاج إليه سوق العمل. وقد سلَّط البنك الدولي الضوء على تنامي المخاوف من فجوة المهارات في كثير من البلدان، إذ يغادر الخريجون مقاعد الدراسة دون اكتساب الكفاءات التي يبحث عنها أرباب العمل.
يمتلك القادة الأكفاء القدرة على سد هذه الفجوة، فهم يقيمون شراكات متينة مع أرباب العمل والشركات، ويُعزِّزون خدمات الإرشاد المهني، ويُحدِّثون المناهج الدراسية، ويحرصون على أن تظل أنظمة التعليم قادرة على التكيُّف مع المتغيرات والواقع الاقتصادي. وباختصار، يبنون الجسر الذي يربط قاعات الدراسة بعالَم العمل.
القدرات البشرية هي المصدر الأساسي للميزة التنافسية
تعتمد تنمية القدرات البشرية على أنظمة تعليمية قادرة على التكيُّف المستمر، والتحسُّن المتواصل وإعداد المُتعلِّمين لمواجهة مستقبل يتسم بعدم اليقين. ومن هنا تنبع الأهمية المحورية لقيادة النظام التعليمي.
إنها القوة التي تُحيل الرؤية إلى واقع ملموس، فهي تُعزز جودة التدريس، وتُوحِّد جهود أصحاب المصلحة حول أهداف مشتركة، وتربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتهيّئ الظروف اللازمة لتغيُّر دائم على مستوى المنظومة بأسرها. والبلدان التي ستزدهر في اقتصاد الغد لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أحدث التكنولوجيات، بل ستكون تلك التي تمتلك قادة في التعليم قادرين على بناء منظومات يواصل فيها الأفراد التعلُّم والنمو والتكيُّف على امتداد مسيرة حياتهم.
كبير أخصائيي التعليم، الممارسة العالمية للتعليم، مجموعة البنك الدولي

