أثار توقيت بعض التداولات الكبيرة في عقود النفط الآجلة خلال 2026 تحقيقات من لجنة تداول السلع الآجلة ووزارة العدل، فقد لفتت صفقات بمئات الملايين إلى أكثر من ملياري دولار في القيمة الاسمية قبل دقائق أو ساعات من إعلانات ترمب على منصة تروث سوشال تتعلق بوقف ضربات أو هدنة مؤقتة الانتباه والاشتباه حول الاستفادة من معلومات تتعلق بقرار الحرب والسلم أو تجييرها لمصلحة الحصول على مبالغ طائلة كنتيجة لتأثير هذه القرارات في حركة الأسواق واتجاه الأسعار.
وأدت هذه التغريدات إلى انخفاض حاد في الأسعار وصلت في بعض الأحيان إلى انخفاص 15% من سعر برميل النفط، فعلى سبيل المثال في 23 مارس تداولت عقود بقيمة تزيد على 800 مليون دولار قبل دقائق من منشور أعلن فيه ترمب تأجيل ضربات على البنية التحتية للطاقة الإيرانية ما أدى إلى هبوط الأسعار بنحو 13%. حوادث مشابهة سجلت قبل إعلانات هدنة في أبريل ومايو ورغم نفى وزير الخزانة سكوت بيسنت أي تدخل حكومي في أسواق العقود الآجلة مؤكداً التركيز على الإمدادات الفعلية فقط فإن التزامن بين عمليات الشراء والبيع الكبرى وقرارت الإدارة الامريكية أثار علامات استفهام كبيرة حول وصول معلومات حساسة قبل إعلانها لجني ثروات واستباق الفرص الاستثمارية في أسواق النفط.
أصبحت منشورات ترمب على منصته تروث سوشال المنصة التي أسسها ترمب بعد إيقاف حسابه في منصة توتير سابقاً إكس حالياً أداة مباشرة لتحريك الأسواق، ففي عدة مناسبات جاءت تغريدات التهدئة مثل إعلان تقدم في المحادثات أو وقف مؤقت للضربات خلال فترات إغلاق الأسواق أو قبل افتتاحها بقليل إلى تعديل المراكز قبل التداول الرسمي.
في المقابل جاءت تغريدات التصعيد مثل إعلان انتهاء الهدنة أو تهديد بضربات جديدة في أوقات تفتح الأسواق أو أثناء التداول محركاً لدفع الأسعار صعوداً فوراً.
في يوليو 2026 أعلنت شركة ترمب ميديا Trump Media التي يمتلك ترمب حصة كبيرة فيها عن خدمة مدفوعة Truth API تمنحها للمشتركين مثل البنوك وشركات تداول عالية التردد تتيح وصولاً أسرع بثوانٍ إلى منشورات الحسابات المؤثرة وعلى رأسها حساب ترمب مقابل رسوم تصل إلى 100 ألف دولار شهرياً.
تم وصف هذه الخدمة بأنها تمنح ميزة معلوماتية للمتعاملين الكبار على حساب الجمهور العام والمستثمرين الصغار خاصة أن منشورات ترمب حول إيران والتعريفات كانت تحرك أسعار النفط والأسهم في ثوان.
هذه الأنماط سواء التداولات السابقة للإعلانات أو التوقيت الانتقائي للتغريدات أو بيع الوصول السريع أثارت تساؤلات حول شفافية الأسواق واستغلال المعلومات ذات الطابع الرسمي، وسط تحقيقات مستمرة لم تُسفر بعد عن اتهامات رسمية محددة.
بعد مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الإدارة الأمريكية وإيران في يونيو انخفض برنت إلى مستويات ما قبل الحرب ثم عاد إلى مستوى الثلاث خانات أو 100 دولار، ومع انهيار الهدنة في يوليو أدى التدخل الأمريكي الشامل إلى منع سيناريو الأسعار الكارثية لكنه استنزف الاحتياطي إلى مستويات تاريخية متدنية ورفع أسعار البنزين فوق 4 دولارات للغالون في فترات التصعيد.
استخدمت الإدارة الأمركية أذرعها المالية وسلاح العقوبات في الضغط على أسعار النفط فقد تولت وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية دوراً مركزياً في الضغط الاقتصادي وفرضت عقوبات متتالية على الأسطول الظل الإيراني الذي ينقل النفط بطرق ملتوية لتجاوز القيود، حيث تجاوز عدد السفن المدرجة في العقوبات على هذا الأسطول أكثر من 100 سفينة، كما أعلنت وزارة الخزانة عقوبات جديدة استهدفت شركات تأمين بحرية مدعومة من الحرس الثوري تفرض تأميناً إلزامياً على السفن العابرة للمضيق، إضافة إلى ناقلات نقلت نفطاً إيرانياً ومنتجات بتروكيماوية.
خلال مذكرة التفاهم المؤقتة الموقعة في 17 يونيو بين ترمب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أصدر قسم مراقبة الأصول الخارجية في وزارة الخزانة الأمريكية الترخيص العام الذي سمح مؤقتاً بتصدير النفط الإيراني لمدة 60 يوماً في محاولة لتخفيف الضغوط على أسعار النفط وكبح جماحها لكن بعد هجمات إيرانية على سفن تجارية في يوليو أُلغي الترخيص فوراً في 7 يوليو وأعيد فرض الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية. كما هدد ترمب في مرحلة ما بفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق مقابل الحماية الأمريكية، قبل أن يتراجع تحت ضغط الحلفاء الخليجيين.
كانت وزارة الطاقة الأمريكية ذراعاً آخراً استخدم في التأثير على أسعار النفط ومنع صعودها بقيادة الوزير كريس رايت فكانت الأداة الأكثر مباشرة للتدخل في الأسواق. ففي 11 مارس 2026 أعلنت إدارة ترمب عن سحب 172 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الإستراتيجي ضمن تنسيق تاريخي مع وكالة الطاقة الدولية لطرح 400 مليون برميل من مخزونات 32 دولة عضواً في أكبر عملية سحب جماعي في تاريخ الوكالة واعتمدت الآلية على تبادل النفط وليس بيعاً مباشراً، بحيث تُعاد البراميل لاحقاً مع علاوة.
بحلول أواخر يوليو، انخفض المخزون الإستراتيجي الأمريكي إلى نحو 308 ملايين برميل في أدنى مستوى منذ مارس 1983. استمر السحب حتى مع تراجع الأسعار مؤقتاً، ما أثار تحذيرات بأن الاحتياطي يقترب من الحدود التشغيلية الدنيا (180-200 مليون برميل) ويضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة صدمات مستقبلية مثل أعاصير خليج المكسيك.
في الوقت نفسه، استفادت الشركات الأمريكية من الفراغ في الإمدادات وقفزت صادرات النفط الخام الأمريكية إلى رقم قياسي بلغ 5.6 مليون برميل يومياً في مايو 2026، بينما وصلت صادرات النفط والمنتجات مجتمعة إلى مستويات تاريخية تجاوزت 10 ملايين برميل يومياً في بعض الأشهر وأصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للنفط في العالم، متجاوزة السعودية وروسيا، بفضل زيادة الإنتاج الصخري والسحب من المخزونات التجارية والإستراتيجية حيث أسهمت هذه الصادرات في تعويض جزء كبير من النقص الخليجي، خاصة في آسيا وأوروبا.
ليس تدخل واشنطن في أسواق النفط ظاهرة جديدة مرتبطة بحرب 2026 فقط. منذ عقود، استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أدوات متعددة لتوجيه الأسعار أو خفضها، سواء عبر السحب من الاحتياطي الإستراتيجي، أو الضغط الدبلوماسي على أوبك، أو العقوبات، أو حتى التصريحات.
ففي حرب الخليج الأولى في العام 1990 أمر الرئيس جورج بوش الأب ببيع نحو 34 مليون برميل من الاحتياطي الإستراتيجي تم بيع 17.3 مليون برميل فعلياً لامتصاص صدمة غزو العراق للكويت. أما في 2011 فقد أصدر باراك أوباما أمراً بسحب 30 مليون برميل ضمن تنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لتعويض اضطراب الإنتاج الليبي. وفي 2022 نفذ جو بايدن أكبر سحب منفرد في التاريخ بسحب 180 مليون برميل على مدى 6 أشهر رداً على غزو روسيا لأوكرانيا، وهو ما قدرت وزارة الخزانة الأمريكية أنه خفض أسعار البنزين من17 إلى 42 سنتاً للغالون.
لكن إدارة ترمب الأولى كانت الأبرز في استخدام الضغط اللفظي المباشر فقد اعتمد ترمب على تغريدات متكررة على تويتر لمهاجمة أوبك واتهامها بـالتلاعب بالأسعار مطالبا بزيادة الإنتاج فوراً كلما اقترب برنت من 75 دولاراً. في أبريل 2018، أدت تغريدة واحدة إلى انخفاض الأسعار بنحو 3% في يوم واحد.
في 2019 وبعد هجوم الحوثيين على منشآت أرامكو، أعلن ترمب استعداداً للسحب من الاحتياطي، لكنه لم يُنفذ فعلياً لأن الإنتاج السعودي تعافى سريعاً. أما في أزمة كورونا 2020 فحاول ترمب شراء كميات كبيرة للاحتياطي بأسعار منخفضة جداً، لكن الكونجرس رفض التمويل وانخفض المخزون فعلياً خلال ولايته من نحو 695 مليون برميل إلى 638 مليون.
هذه الأدوات من السحب من الاحتياطي إلى الضغط عبر التصريحات والتغريدات والعقوبات والصادرات الأمريكية المتزايدة شكلت ترسانة جاهزة استخدمها ترمب بكثافة في 2026، لكن على نطاق أوسع وبتكلفة أعلى على الاحتياطي الإستراتيجي.
البيانات والأحداث تشير إلى أن التدخل كان شاملاً ومنسقاً، لكنه كشف أيضاً حدود القدرة الأمريكية على السيطرة المطلقة على سوق يعتمد على عوامل استقرار جيوسياسية. ومع استمرار التوترات حتى أواخر يوليو 2026، يبرز السؤال هل نجحت واشنطن في إعادة تشكيل الأسواق لمصلحتها، أم كشفت حدود قدرتها على السيطرة وسط أدوات جديدة تجمع بين القوة العسكرية والمعلوماتية والمالية؟
خبير إستراتيجي في شوؤن الطاقة

