انتقل إلى المحتوى
أخبار السعودية

مستقبل القضية الفلسطينية بعد 1000 يوم من الطوفان

نُشر: 7 دقيقة قراءة
مستقبل القضية الفلسطينية بعد 1000 يوم من الطوفان

في أيلول/سبتمبر من عام 2023، وأثناء إلقاء خطاب في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، أمسك نتنياهو بورقة طبعت عليها خريطة لمنطقة الشرق الأوسط ظهرت فيها “إسرائيل” دولة كبرى تسيطر على مجال حيوي واسع يمتد من “النيل إلى الفرات”.

حينها، تصور كثيرون أن نتنياهو يهذي، وأن ما عرضه لا يعدو كونه مجرد “أضغاث أحلام” تتراءى له بين الحين والآخر، غير أن ما كان يجري على أرض الواقع آنذاك أشار إلى عكس ذلك. فخلال فترة حكمه الطويلة للكيان الصهيوني، استطاع نتنياهو إفشال “اتفاقية أوسلو” والقضاء على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية، وقام بفرض حصار شامل على قطاع غزة، براً وبحراً وجواً، وتوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية التي كان يستعد لضمّها رسميا إلى “إسرائيل”، والأهم أنه كان على يقين من أن ما يقوم به لن يعيق علاقته بالدول العربية التي كان معظمها، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، يتأهب لركوب قطار التطبيع والانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية”.

بعد أسابيع قليلة من هذا الخطاب، شنّت حركة حماس عملية عسكرية على الكيان الصهيوني، أطلقت عليها “طوفان الأقصى”، تمكنت خلالها من السيطرة على عدد من المستوطنات المتاخمة لقطاع غزة، وشلّ القاعدة العسكرية الرئيسية المسؤولة عن حماية القطاع الجنوبي، وقتل أكثر من 1000 جندي ومستوطن، وأسر ما لا يقل عن 250 آخرين.

ولأن هذه العملية فاجأت العدو الإسرائيلي وكبّدته خسائر فادحة وغير متوقعة، فقد كانت بمنزلة هزيمة استراتيجية كبرى له على الصعيدين العسكري والاستخباري، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتسم رده عليها بعنف مفرط، أطلق العنان لجولة جديدة من المواجهات العسكرية التي لم تقتصر ساحاتها هذه المرة على قطاع غزة، وإنما راح نطاقها يتسع تدريجياً ليشمل الضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن، إلى أن وصل إلى إيران التي شن عليها الكيان حرباً شاملة، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، استهدفت إسقاط نظامها الحاكم وتعرضت خلالها الدول العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية على أراضيها للقصف، في تطور لا مثيل له في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

بعد 1000 يوم من “الطوفان”، ما زال الجدل محتدماً في العالم العربي حول جدواه وما إذا كان قد أضر بالقضية الفلسطينية أم أفادها. ورغم أن لهذا الجدل ظلالاً وتشعبات عديدة، تجعل من إمكانية اختزاله في توجهين متناقضين أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن السمات الغالبة علىه تغري بتقسيم المشاركين فيه إلى فريقين يقفان فعلاً على طرفي نقيض، أحدهما يرى أن ما قامت به حركة حماس أفضى إلى نتائج كارثية، ليس على القضية الفلسطينية وحدها وإنما أيضاً على مجمل الأوضاع في العالم العربي وفي المنطقة ككل، والآخر يرى أن ما وقع كان حتمياً وأعاد إحياء القضية الفلسطينية التي كاد يطويها النسيان، على الرغم من فداحة الأضرار المادية والبشرية التي نجمت عنه.

ولأنني لا أميل بطبعي إلى التعامل مع المسائل الخلافية عبر منظور استقطابي، ينحو نحو اختزال النقاش في ثنائيات متعارضة يتعين الانحياز إلى أحدهما، فقد وصلت إلى قناعة مفادها أن التقييم الموضوعي لأي حدث يتطلب الاتفاق أولاً على معاييره الصحيحة، كي نتمكن من الحكم على الحدث نفسه في السياق العام للدوافع التي أدت إليه والتداعيات التي قد تترتب عليه.

ولأن الفريق الأول يرى أن المعيار الوحيد للحكم على “الطوفان” يجب أن يستند إلى حجم الخسائر والأضرار البشرية والمادية التي تسبب فيها، ليس بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني فحسب وإنما بالنسبة إلى شعوب المنطقة ككل، بينما يرى الفريق الثاني أن معيار الخسائر والأضرار لا يصلح وحده لتقييم حدث يمس قضايا التحرر الوطني واستقلال الشعوب، وبالتالي فالمعيار الأدق يجب أن يأخذ في اعتباره أيضاً تأثير هذا الحدث ليس على حاضر ومستقبل القضية التي يدّعي أنه يدافع عنها فحسب، ألا وهي القضية الفلسطينية في هذه الحالة، وإنما أيضاً على حاضر ومستقبل المشروع المعادي الذي تسبب في ضياع حقوق الشعب الفلسطيني وحرمه من حقوقه، ألا وهو المشروع الصهيوني.

وفي سياق كهذا، يبدو لي أن التقييم الدقيق لحدث في حجم “طوفان الأقصى” يستدعي أولاً وقبل كل شيء إجراء مقارنة دقيقة قدر الإمكان بين الأوضاع التي كانت سائدة في المنطقة قبله، والأوضاع التي هي عليها الآن ومسارها المتوقع في المستقبل المنظور.

أظن أننا لا نحتاج للتوقف كثيراً عند الأوضاع التي سادت المنطقة قبل “طوفان الأقصى”. فقد سبقت الإشارة إلى نتنياهو كان قد تمكن خلال فترة حكمه القصيرة من إفراغ اتفاقية أوسلو من مضمونها، وبالتالي قضى نهائياً على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويقوم في الوقت نفسه بفرض حصار شامل على قطاع غزة ويتوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية التي يستعد لضمّها رسمياً، بينما معظم الأنظمة الرسمية في الدول العربية سائرة في اتجاه التطبيع مع الكيان أو غارقة في مشكلاتها الداخلية.

وحين تكون هناك فصائل فلسطينية مسلّحة تدّعي أن السبب الوحيد لوجودها هو مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، فمن الطبيعي، في سياق كهذا، أن يكون هدفها الوحيد هو إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بالعدو الذي يحتل أرضها ويغتصب حقوق شعبها، وهو ما قامت به حركة حماس والفصائل المتحالفة معها ويجب ألا نلومها على ذلك، بصرف النظر عن ردة فعل العدو أو حساباته على هذا الصعيد.

للرد على العملية العسكرية التي ألحقت بحكومة الكيان هزيمة استراتيجية كبرى على الصعيدين الاستخباري والنفسي، قرر نتنياهو الهروب إلى الأمام والعمل على تحويل المحنة إلى منحة والسعي لتحقيق “إسرائيل الكبرى”، ولكن بقوة السلاح هذه المرة، من خلال: ممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط العسكري على قطاع غزة، أملاً في تهجير الفلسطينيين منه قسراً تمهيداً لاحتلاله، وتضييق الخناق على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية تمهيداً لضمها، وخوض حرب لا هوادة فيها على جميع مكونات “محور المقاومة”، أملاً في إلحاق هزيمة كاملة بها تمهد لنزع سلاح جميع الفصائل، ومحاولة إسقاط النظام الإيراني (رأس الأفعى) عبر شن حرب إسرائيلية- أميركية مشتركة وشاملة.

صحيح أن نتنياهو تمكن من تحقيق بعض أهدافه، لكنه أخفق في تحقيق أهمها. فقد تمكن من تدمير قطاع غزة بالكامل، ومن قتل وجرح وتشريد ما يزيد على ربع مليون من سكانه، ومن احتلال ما يقرب من 70% من مساحته، ورغم ذلك كله أخفق في إجبار الشعب الفلسطيني على الهجرة، وفي نزع سلاح حماس وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة. وساهمت العمليات العسكرية التي شنها على المكونات المختلفة لمحور المقاومة في إسقاط النظام السوري واحتلال أراض سورية جديدة تزيد مساحتها على 500 كم مربع، وفي تكبيد حزب الله خسائر فادحة وقتل آلاف اللبنانيين وتدمير مناطق لبنانية واسعة، خصوصاً في الضاحية الجنوبية وفي المناطق المتاخمة للحدود، وفي احتلال ما يقرب من 500 كم مربع من أراضيه، لكنه أخفق في نزع سلاح حزب الله أو أي من الجماعات المسلحة الموجودة على الساحتين اليمنية والعراقية.

وقد اعتقد نتنياهو أنه حقق ضربته الكبرى التي ستمكنه من تحقيق جميع طموحاته، حين نجح في إقناع ترامب للمشاركة معه في شن حربين متتاليتين على إيران، لكن سرعان ما تبين أن تلك كانت أكبر إخفاقاته. فرغم ما لحق بالنظام الإيراني من خسائر كبرى، جسدها فقدانه للمرشد الأعلى ولمعظم قيادات الصف الأول، إلا أنه لم يسقط، بل خرج من الحربين أقوى مما كان عليه، خصوصاً بعد أن تمكن من السيطرة التامة على مضيق هرمز ومن إلحاق خسائر فادحة بـ”إسرائيل” وبالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

بعد 1000 يوم من “طوفان الأقصى”، ما تزال التداعيات الناجمة عنه تتفاعل وتحدث أثرها العميق والمتراكم ليس على موازين القوى في المنطقة فحسب، ولكن أيضاً على المسار المتوقع لكل من القضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني. بل لا أبالغ إن قلت أن معظم الإنجازات التي حققها نتنياهو خلال السنوات الثلاث السابقة هي من قبيل الإنجازات التكتيكية، أما المكاسب التي حققتها القضية الفلسطينية، وبالتوازي الخسائر التي تكبدها المشروع الصهيوني، فهي من النوع الاستراتيجي.

فقد سقطت نهائياً وإلى الأبد صورة الكيان الصهيوني كواحة للديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي أو ككيان مسالم تحيط به الكراهية من كل جانب وتسعى لإلقائه في بحر الظلمات، وأصبحت الصهيونية مرادفاً للتفرقة العنصرية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل وأصبح رئيس وزراء الكيان ووزير دفاعه السابق وقيادات أخرى مطلوبين للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي المقابل، بدأ الشعب الفلسطيني وقضيته يحظيان بدعم عالمي غير مسبوق.

لم تطوَ بعد جولة الصراع المسلح التي فجّرها “طوفان الأقصى” في مواجهة المشروع الصهيوني، غير أن مؤشرات عديدة بدأت توحي بأن عصر أفوله بدأ بالفعل ولم يعد قادراً على البقاء على قيد الحياة إلا بفضل الدعم الذي يحصل عليه من الولايات المتحدة الأميركية ومن الأنظمة التي ما تزال تدور في فلكها في المنطقة. وحتى على هذا الصعيد، لن يكون بمقدور الكيان الصهيوني أن يبقى طويلاً على قيد الحياة. فالفجوة بينه وبين الأجيال الأميركية الشابة تزداد اتساعاً كل يوم. وحين تصل هذه الأجيال إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهو ما سيحدث خلال عقدين أو ثلاثة على أقصى تقدير، ستكون الفجوة بينهما قد تحوّلت إلى شرخ عمودي، وعندها لن يكون أمام الكيان سوى واحد من بديلين: التخلص من أيديولوجيته الصهيونية أو الانتحار.

 

حسن نافعة- أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات

كل مقالات الكاتب
شارك Facebook X Telegram

الأكثر قراءة

  1. السيسي من مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة: ثورة 30 يونيو كانت معركة ضد الإرهاب لتحقيق حلم المصريين
  2. السيسي يوجه الحكومة بفتح المجال العام للحوار الاعلامي وسماع الرأي والرأي الآخر
  3. السيسي من الأوكتاجون: مصر لن تنحني إلا لله ولن تسمح بالمساس بأمنها القومي
  4. من هو ناير ناجي.. المايسترو المصري الذي قاد الأوركسترا في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية
  5. السيسي يفتتح مقر القيادة الاستراتيجية ويؤكد ان التكاتف والعمل الجاد طريق التقدم
  6. السيسي يهنئ الشعب المصري بتأهل المنتخب لدور الـ16 في كأس العالم: ربنا كرمنا وجبر بخاطرنا

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *