Published On 10/7/2026
|
آخر تحديث: 21:28 (توقيت مكة)
لم يكن منتخب بلجيكا ضمن أبرز المرشحين للمنافسة على لقب كأس العالم عام 2026 عندما انطلقت البطولة قبل شهر، خاصة بعد اعتزال عدد كبير من نجوم الجيل الذهبي الذين صنعوا أمجاد “الشياطين الحمر” في العقد الماضي.
وازدادت الشكوك عندما وجد المنتخب نفسه متأخرا بهدفين دون رد أمام السنغال حتى الدقيقة 85 من مواجهة دور الـ32، قبل أن يقلب النتيجة في واحدة من أكثر الريمونتادات إثارة في تاريخ كأس العالم، ثم يؤكد صحوته بفوز كبير على الولايات المتحدة بنتيجة 4-1، ليحجز مكانه في الدور ربع النهائي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ورغم رحيل أسماء بارزة مثل إيدن هازارد، ومروان فيلايني، وموسى ديمبيلي، وفينسنت كومباني، فإن وجود عناصر الخبرة، على غرار تيبو كورتوا، وكيفن دي بروين، وروميلو لوكاكو، وأكسل فيتسل، منح المنتخب البلجيكي التوازن اللازم لتحويل بداية متعثرة إلى حلم مشروع بالمنافسة على اللقب.
ويستعد منتخب بلجيكا الآن لمواجهة قوية أمام إسبانيا مساء الجمعة، من أجل حجز بطاقة العبور إلى نصف النهائي، وسط تساؤلات حول ما إذا كان الجميع قد تسرع في إعلان نهاية الجيل الذهبي، أم أن المدرب الفرنسي رودي غارسيا نجح ببساطة في إعادة توظيف خبرات نجومه بطريقة مختلفة.
الخبرة لا تزال تصنع الفارق
بلغت بلجيكا ربع نهائي مونديال عام 2014، ثم نصف نهائي نسخة عام 2018 التي مثلت ذروة الجيل الذهبي، قبل أن تعيش خيبة كبيرة في كأس العالم عام 2022 بالخروج من دور المجموعات خلف المغرب وكرواتيا.
ويرى الحارس تيبو كورتوا أن المنتخب يعيش اليوم مرحلة مختلفة تماما.
وقال حارس ريال مدريد، الذي يخوض كأس العالم للمرة الرابعة في مسيرته: “إنها حقبة جديدة بالنسبة لنا. صحيح أن بعض لاعبي الجيل السابق ما زالوا موجودين، لكن مونديال قطر لم يكن جيدا بالنسبة لنا. الآن لدينا مجموعة جديدة من اللاعبين الشباب المستعدين لكتابة تاريخ جديد لبلجيكا.”

وتعكس أرقام البطولة الحالية هذا التحول بوضوح. فكورتوا (34 عاما) هو الوحيد بين رباعي الجيل الذهبي الذي شارك في جميع دقائق البطولة، بينما تقلصت أدوار بقية المخضرمين.
فأكسل فيتسل (37 عاما)، الذي غادر جيرونا بعد هبوط الفريق من الدوري الإسباني، لم يشارك سوى لدقيقة واحدة في نهاية مواجهة الولايات المتحدة.
أما روميلو لوكاكو (33 عاما)، فقد سجل ثلاثة أهداف، لكنه لعب أقل من نصف دقائق البطولة، وغالبا ما يدخل بديلا ليستغل الإرهاق الذي يصيب دفاعات المنافسين بعد الضغط الكبير الذي يفرضه مهاجم أتالانتا تشارلز دي كيتيلاري (25 عاما).
في المقابل، تعرض كيفن دي بروين (35 عاما) لإصابة خلال مواجهة السنغال، لكن المنتخب البلجيكي كان قد حقق قبل خروجه فوزا واحدا فقط في ثلاث مباريات، بينما انتصر بعد إصابته في مباراتين وسجل سبعة أهداف خلال نحو 130 دقيقة.
كما تراجعت مشاركة الظهير توماس مونييه تدريجيا مع تقدم البطولة.
ورغم ذلك، لا يعني تراجع عدد دقائق اللعب أن دور المخضرمين انتهى، إذ لا يزال كورتوا أحد أفضل حراس العالم، بينما كانت أهداف لوكاكو حاسمة، وقدم دي بروين مستويات مميزة قبل إصابته.
لكن مسؤولياتهم تغيرت؛ فلم يعودوا مطالبين بحمل الفريق طوال المباراة، بل بإحداث الفارق في اللحظات الحاسمة، وهو ما يبدو أن رودي غارسيا نجح في استثماره بصورة مثالية.

غارسيا: لا تسموهم “مخضرمين”
يرفض المدرب رودي غارسيا اختزال لاعبيه في عامل السن.
وقال خلال البطولة: “لا أستطيع تقبل وصف قادتي الأربعة بالمخضرمين. إنه وصف قاسٍ وغير عادل.”
وأضاف: “عندما تمتلك دولة لاعبين بهذه الجودة، فعليك أن تستمتع بوجودهم. هذا ما يستطيع هؤلاء القدامى تقديمه لبلجيكا.”
جيل جديد بدأ يفرض نفسه
إلى جانب خبرة القادة، برز عدد من اللاعبين الذين يقودون عملية تجديد المنتخب البلجيكي.
وكان لياندرو تروسارد، جناح أرسنال، من أبرز نجوم البطولة، بعدما صنع 17 فرصة، وهو أعلى رقم بين جميع اللاعبين حتى الآن، كما ساهم بثلاثة أهداف مباشرة، بعدما سجل هدفين وقدم تمريرة حاسمة.
أما تشارلز دي كيتيلاري، فرغم أنه ليس مهاجما غزير التهديف، فقد سجل هدفين وصنع آخر، إضافة إلى دوره التكتيكي في فتح المساحات أمام زملائه داخل منطقة الجزاء.
وسجل هانس فاناكن، لاعب كلوب بروج البالغ من العمر 33 عاما، هدفا وقدم تمريرتين حاسمتين، رغم أنه لم يخض أي تجربة احترافية خارج الدوري البلجيكي.
كما كان القائد يوري تيليمانس صاحب هدفي العودة أمام السنغال، بعدما سجل هدفي التعادل والانتصار.

ومن بين 13 لاعبا في القائمة تبلغ أعمارهم 25 عاما أو أقل، يبرز جيريمي دوكو، جناح مانشستر سيتي، باعتباره الاسم الأقرب إلى النخبة العالمية، بينما يمتلك كل من دييغو مورييرا وماتياس فرنانديز-باردو إمكانات واعدة، في حين قدم أمادو أونانا مستويات جيدة قبل أن تنهي إصابة الرباط الصليبي الأمامي مشواره في البطولة خلال لقاء الولايات المتحدة.
الإنجليزية… لغة الوحدة داخل المنتخب
وراء هذا الانسجام داخل المنتخب البلجيكي سبب آخر بعيد عن المستطيل الأخضر.
فبلجيكا بلد متعدد اللغات؛ إذ يتحدث بعض اللاعبين الهولندية كلغتهم الأم، بينما ينتمي آخرون إلى المنطقة الناطقة بالفرنسية، لذلك أصبحت اللغة الإنجليزية الوسيلة الأساسية للتواصل داخل المنتخب.
ويؤكد الدكتور جيم يوريل، المحاضر في اللغويات التطبيقية بجامعة أنتويرب، أن هذا الخيار ليس عفويا، بل يحمل أبعادا إستراتيجية.
ويقول: “اللغة قضية حساسة في بلجيكا، لأنها ترتبط بالهوية والسياسة. اعتماد الإنجليزية يجعل الجميع على أرضية محايدة، ويجنب المنتخب أي حساسيات قد تنشأ إذا فُضِّلت لغة على أخرى.”
وأضاف أن اللاعبين قد يعودون إلى لغاتهم الأم في الأحاديث الجانبية أو داخل المجموعات الصغيرة، لكن الإنجليزية تظل اللغة الجامعة داخل الفريق.

جيل يقود… لا جيل يودع
إذا أرادت بلجيكا تجاوز عقبة إسبانيا والمضي نحو اللقب، فستظل خبرة لوكاكو وكورتوا ودي بروين وبقية القادة عنصرًا حاسمًا، ليس فقط داخل الملعب، بل أيضًا في غرفة الملابس.
فهذا المنتخب لم يعد يمثل “الفرصة الأخيرة” للجيل الذهبي كما كان يُعتَقَد، بل أصبح نموذجا لمرحلة انتقالية ناجحة، يؤدي فيها النجوم القدامى دور المرشدين، بينما يفسحون الطريق تدريجيا أمام جيل جديد يبدو مستعدًا لحمل راية الكرة البلجيكية في السنوات المقبلة.
