
هناك فارق كبير بين أن تتعرض دولة لحادث أمنى، وبين أن تنجح فى إدارة تداعياته. وحادث الطائرة المسيرة الذى استهدف سفينتين فى ميناء دمياط، لم يكن مجرد واقعة تستحق المتابعة، بل تحول إلى اختبار حقيقى لقدرة الدولة على إدارة الأزمات، واختبار آخر لوعى المجتمع فى التعامل مع المعلومات وقت الأزمات.
خرج البيان الرسمى ليؤكد أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحادث نتج عن طائرة مسيرة، مع استمرار التحقيقات وعدم إعلان أى جهة مسئوليتها حتى الآن. وكان هذا هو الموقف الذى يفترض أن يبنى عليه الجميع مواقفهم وتحليلاتهم. لكن ما حدث على منصات التواصل الاجتماعى كان مختلفًا تمامًا؛ إذ انطلقت عشرات الروايات، وظهرت سيناريوهات متناقضة، وتحول البعض إلى خبراء فى الشئون العسكرية والاستخباراتية، رغم غياب المعلومات الكاملة.. وهنا تكمن الخطورة.
ففى زمن الحروب الحديثة، لم تعد الطائرات المسيرة وحدها سلاحًا، بل أصبحت الشائعة أيضًا سلاحًا لا يقل تأثيرًا. وقد يكون الهدف من أى عملية لا يقتصر على إحداث خسائر مادية، وإنما يمتد إلى إرباك الرأى العام، وإضعاف الثقة، وإحداث حالة من القلق، ودفع الدول إلى اتخاذ قرارات متسرعة أو الانجرار إلى ردود أفعال تخدم خصومها.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات، فلم تعد الحروب تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، وإنما أصبحت ترتكز على التكنولوجيا، والطائرات غير المأهولة، والحرب السيبرانية، والعمليات النفسية، واستهداف البنية الاقتصادية للدول. ومن هنا، فإن أى حادث يقع فى ميناء بحجم دمياط لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثًا محليًا، بل باعتباره جزءًا من بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتشابك فيها المصالح والرسائل والضغوط.
ولأن ميناء دمياط يمثل أحد أهم الموانئ المصرية، ويرتبط بحركة التجارة والطاقة والاستثمار، فإن أى محاولة للمساس به تحمل أبعادًا تتجاوز حدود المكان، وتستهدف التأثير فى صورة الاستقرار التى تمثل أحد أهم عناصر قوة الاقتصاد المصرى. غير أن استمرار عمل الميناء، وسرعة تعامل أجهزة الدولة مع الموقف، يبعثان برسالة معاكسة مفادها أن مؤسسات الدولة تمتلك القدرة على احتواء الأزمات والحفاظ على استمرارية العمل.
ومن زاوية أخرى، فإن الحادث يعيد التأكيد على أن الأمن القومى لم يعد مفهومًا عسكريًا بحتًا، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل حماية الموانئ، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد، والمعلومات، والوعى العام. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بأجهزة الرصد والدفاع، وإنما أيضًا بعقل المجتمع الذى يميز بين الخبر والشائعة، وبين الحقيقة والتكهن.
إن ما تحتاجه مصر فى هذه اللحظة ليس تضخم الأصوات، وإنما دقة المعلومات، وليس سباقًا فى إطلاق الاتهامات، وإنما انتظار نتائج التحقيقات. فالدول الكبرى لا تُدار بردود الفعل، بل بالمؤسسات، ولا تبنى قراراتها على الانفعال، بل على الأدلة.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يواجه الدول أثناء الأزمات ليس الهجوم ذاته، وإنما الفوضى التى قد تعقبه إذا غابت الحكمة وسيطر الانفعال. ومن هنا، فإن الالتفاف حول مؤسسات الدولة، والثقة فى أجهزتها، ومنحها الوقت الكافى لاستكمال التحقيقات، يمثل سلوكًا وطنيًا مسئولًا، لا يقل أهمية عن أى إجراء أمنى.
ستكشف الأيام المقبلة تفاصيل أكثر عن هذا الحادث، وربما تحدد المسئول عنه، لكن الثابت منذ الآن أن مصر تواجه واقعًا إقليميًا شديد الحساسية، يتطلب أعلى درجات اليقظة، وأقصى درجات التماسك، وأعمق درجات الوعى. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار، بل بقدرتها على منع خصومها من تحقيق أهدافهم السياسية والنفسية والاقتصادية.
وفى النهاية، تبقى الرسالة الأهم: إن قوة الدولة لا تظهر فى لحظات الهدوء، بل فى كيفية إدارتها للأزمات، وكيفية حفاظها على توازنها، وثقة شعبها، واستمرار مؤسساتها فى أداء واجبها مهما كانت التحديات.

